بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
“التلوث البيئي”، “الاحتباس الحراري”، “التغير المناخي”، عبارات فقدت معناها بسببٍ من تواتر ظهورها وتكرُّره في نشرات الأخبار وغيرها من وسائط الإعلام. وهذه العبارات، فاقدة المعنى، كان لها أن تجعلنا نعيدُ النظر في الكثير من تصرفاتنا وسلوكياتنا التي تسببت في إفساد كوكبنا لولا أننا لا نعبأ ولا نكترث إلا بما نتوهم أنه الخطر الماثل الداهم، والذي لم يتسنَّ لنا بسببٍ من أنانيتنا أن ندرك أن هذا الإفساد هو الذي سيجيء به إلينا بغتة ونحن عنه لاهون غافلون عابثون. لقد سبق القرآن العظيم دعاة الإصلاح الذين يعجُّ بهم العالم اليوم، من الذين يطالبون الإنسان بالكف عن الإضرار ببيئته، وذلك بتشخيصه هذا الإنسان علةً من وراء الفساد في برِّ هذه الأرض وبحرها: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون) (41 الروم). والإنسانُ، وإن كان ذا ماضٍ حيواني، فإنه بإفسادِهٍ بيئته هذا، ليبرهن على أنه ما عادَ ذاك الحيوان الذي كان يوماً ما في غابر الأزمان سلفَه، وأنه قد شقَّ له طريقاً خالفَ به عن الطبيعة التي كانت في يومٍ من الأيام أمه التي أنجبته. والإنسان هو الكائن البايولوجي الوحيد الذي يُلحق الأذى بالطبيعة لفرط تناشزه معها بشذوذه عن برنامجها الطبيعي الذي فقد كلَّ صلةٍ به منذ أن أكل أبواه من الشجرة المحرمة فانقطع بذلك حبلُ الوصل بينه وبينها. والعجيب أن العلماء مازالوا يصرُّون على أن الإنسان “كائنٌ طبيعي” على اعتبار أنه إبن الطبيعة الذي يشارك غيره من كائناتها البنوةَ لهذه الأم التي لم يكن يوماً براً بها! لقد كان حرياً بهؤلاء العلماء الأغبياء أن يدركوا أن “طبيعية الإنسان”، التي حشدوا لها ما حشدوا من الأدلة والبراهين منذ أن خطَّ داروين كتابه الشهير “أصل الأنواع”، قد نقضها هذا الإنسان بـ “لاطبيعيته” التي بالإمكان حشدُ آلاف الأدلة والبراهين على أنها لا تختلف عن “طبيعيته” المزعومة تملُّكاً لكينونته وتسلطاً عليها من شعر رأسه إلى أخمص قدميه! لقد تغيَّرت الأزمان كثيراً فلم يعد الفساد مقتصراً على ما ألحقه الإنسان ببيئته براً وبحراً، مادام هذا الإنسان قد تمكَّن من أن يضيف الجو إلى قائمة مَن طالهم ظلمُه بفسادٍ وإفساد. وبذلك يكون هذا الزمان الذي نعيش قد تميَّز بأن الفسادَ فيه قد ظهر في برِّه وبحره وجوِّه! وإذا كان الإنسان يظن أنه لن يفلت من عواقب ما جنته يداه من إفسادٍ في الأرض، بسببٍ من إمهال الله تعالى، فإن يوماً قادماً عن قريب سوف يلقِّنه درساً لن يعيشَ ليتسنى له أن يتَّعظ به. وإن غداً لناظره لقريب.
