بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ذكرتُ في منشور سابق أن للماء طعماً ليس بمقدورنا أن نتبيَّنه مادام تذوقنا الماء يستدعي مذاقاتٍ طعمناها حلوةً أو مرة أو حامضةً أو مالحة. إن استحضارنا هذه الطعوم والمذاقات، ومقارنتها بما يفتقده الماء منها، قد جعلنا نفشل في تذوق الماء والوقوع بالتالي على “الطعم المائي” له. وهكذا هو حالنا مع الأشياء؛ فما تسنى لنا الوقوع عليه من “حقائق” بشأنها قد شكَّل مرجعيةً نستند إليها ونقيس عليها كل ما يعرض لنا من وقائع وأحداث هذه الدنيا، فلا يعود بالتالي بمقدورنا أن نقع على “المعنى الحقيقي” لكثيرٍ من هذه الوقائع والأحداث، وذلك لأننا إذ ننظر إليها فإننا لا نراها إلا بعينٍ قد حدد إبصارَها هذا الاستناد منا إلى “مرجعية الحقائق” هذه. فالشيء عندنا لابد وأن تكون “حقيقته” هي ما تقول به هذه المرجعية، لا ما يقوله هو. وبالتالي، فلن يكون بمستطاعنا أن نتبيَّن هذا الشيء على ما هو عليه بالنسبة لنا مادام نظرنا إليه محدوداً بالتزامنا بما حددته المرجعية هذه؛ فالشيء إما أن يكون مراً أو حلواً أو حامضاً أو مالحاً! إن هذا الإصرار منا على مقاربة وقائع الدنيا وموجوداتها بذائقةٍ لا تعرف من الطعوم إلا هذه المذاقات الأربع سوف يحرمنا من طائفةٍ واسعةٍ من طعوم الأشياء ومذاقاتها مما يؤدي إلى أن تكون مقاربتنا هذه قد حكمت علينا بالعيش في عالمٍ صنعناه من مادة عجزنا عن التحرر من أوامر ومحدِّدات هذه المرجعية التي لا تريدنا أن نعي أن العالم الواقعي أكبر بكثير من عالمها المحدود بهذه المحدِّدات. إن تذوُّق الماء، وقوعاً على طعمه المائي، رهن بتحرير ذائقتنا من محدِّداتها الذوقية التي لا تعرف غير المر والحلو والحامض والمالح. وكذلك فإن وقوعنا على حقائق هذا الواقع رهنٌ بتحريرنا ذائقتنا الفكرية بعيداً عن مقيِّداتها ومحدِّداتها التي افترضناها يوم أن سلَّمنا أمرنا إلى مرجعيةٍ جاهلةٍ فاشلة.
