بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
خاطب الله مَن تقدَّم علينا ممن أرسل فيهم رسلَه الكرام عليهم السلام بقوله لهم إنهم لن يكونوا على شيء حتى يقيموا ما أنزله تعالى عليهم من كتبه توراةً وإنجيل (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (68 المائدة)، (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (66 المائدة). وإذ لم ترد في هذا القرآن مخاطبةٌ للذين آمنوا على غرار ما خوطب به أهل الكتاب، فإن هذا لا يعني أننا في حِلٍّ من هذا الشرط الإلهي ليكون الواحد منا على شيء. فنحن لن نكون على شيء حتى نقيم القرآن. وهذا قانونٌ عامٌّ لا يُستثنى منه أحدٌ من بني سيدنا آدم عليه السلام. فكلٌّ مُطالب بأن يقيم ما أُنزل عليه. فكما طولب أهل الكتاب بأن يقيموا التوراة والإنجيل حتى يكونوا على شيء، فكذلك نحن مطالبون بأن نقيم القرآن حتى نكون على شيء. وإقامة القرآن هي ليست كما يظنها من يقرأه دون تدبُّر فيتوهم أنها ليست بأكثر من أوامره يأتمر بها، ونواهيه فينتهي عنها، دون أن يتشرب هذا القرآنَ كلَّه تشرُّباً تجري فيه آياتُه الكريمة مجرى الدم في عروقه وبما يجعله يقع على قلب هذا القرآن وروحه جوهراً ما أحاط به على ما هو عليه حقاً وحقيقةً إلا من نظر إلى الدنيا بعينٍ قرآنيةٍ تراها مزرعةً للآخرة ودون أن يخالطه وهمٌ أنها كل ما هنالك وأنه إن أقامَ القرآن فإنه بامتثاله لأوامره ونواهيه إنما يرجو أن يُمكَّن من هذه الدنيا فيعيشها طولاً وعرضاً كما عاشها الأكاسرةُ والأباطرة ومَن لفَّ لفَّهم من عبيد الدرهم والدينار! فإقامة القرآن هي التي تجعلك، إذ تمتثل لما جاءتك به آياتُه الإلهية الكريمة، تدرك أنك ما تشرَّبت هذه الآيات إلا إطاعةً لمن خُلقتَ لتعبده وامتثالاً لإرادته التي يريدك أن تتماهى إرادتك معها فتوافقها طوعاً لا كرهاً. وبهذا تكون إقامة القرآن أمراً ليس باليسير إدراكُه مادامت تطالبك بأن يكون تشرُّبك بآياته الكريمة لا يقتصر على تطبيقك ما تأمرك به بل تتجاوزه إلى تمثُّلٍ لروحه التي إن مسَّت شغاف روحك فلن يكون بمقدورك بعدها أن تُفلت مما ستُصيِّرُك إليه إذ تحيا هذه الحياة الدنيا منتهجاً صراط الله المستقيم منضبطاً بضوابطه الإلهية التي ستتكفَّل بجعلك لا تغفل عن تذكُّر جهنم مهما تجلَّت لك دنياك هذه زخرفاً وبهرجاً وزينةً انصرفت إليها قلوب أكثر الناس. فإقامة القرآن هي استقامةٌ على الصراط المستقيم، وهذه مهمةٌ شاقةٌ عسيرة لا يمكن أن تُختصر إلى مجرد أوامر ونواه إن التزمتَ بها كنتَ مقيماً لهذا القرآن. فالأصل تمثُّلٌ للقرآن العظيم وتشرُّبٌ لآياته الكريمة يجعلناك تقارب الحياة الدنيا مقاربةَ أهل الآخرة الذين لن يخدعهم ما خُلقت متميِّزةً به من تفنُّن في جذبك إليها لتفتنك عن آخرتك. إن إقامة القرآن، التي ستجعلك على شيء بسيرك على صراط الله المستقيم، إن كانت شاقةً عسيرة، فهي ليست بالمستحيلة مادام اللهُ تعالى لا يكلِّف نفساً إلا وسعها، ولا يكلِّفها إلا ما آتاها. والأصل هنا أن يكون القرآن عندك ما يجعل منك تستيقن أنه أكثر بكثير من مجرد لائحةٍ من الأوامر والنواهي، وأنه نورٌ له أن يتملك قلبك ولك أن تجعله يملأه فيمتلئ به فيصيِّرُك قرآناً ناطقاً ونوراً تمشي به بين الناس.
