بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لنتدبر الكلمات القرآنية التالية (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (من 26 ص). يتبين لنا بتدبرنا هذه الكلمات القرآنية الكريمة أن السبيل الوحيد لتفادي عذاب الله تعالى هو دوام ذكر وتذكر يوم الحساب، وأن الاستقامة على سبيل الله تعالى لا تتأتى إلا لمن كان مواظباً على عدم نسيان يوم الحساب. إن سبيل الله تعالى هو صراطه المستقيم، وهو طريقته، وهو سواء الصراط. واللهُ شرع هذا الصراط بتعليمٍ رباني من لدنه تعالى، ولم يوكل أمرَ إبداع صراطه المستقيم هذا إلى الإنسان؛ هذا الإنسان الذي خُلق من طين هذا الواقع، والذي ما كان له أن يفارقه فيكون بالتالي بمقدوره أن يجوز إلى عالم الحقيقة فيعرف أن هناك آخرةً هو سائرٌ إليها حتف أنفه. ولذلك كان مخطئاً الخطأ كله كل من قال بأن الإنسان قادرٌ على أن يصل بعونٍ من عقله الواقعي هذا إلى صياغة الدين الذي ينبغي عليه أن يتديَّن به. إن هذا الربط المحكم بين سبيل الله تعالى ويوم الحساب يبرهن، وبما لا يقبل الشك، على أن سبيل الله تعالى هو ذاك السبيل الذي صاغته يد القدرة الإلهية طريقاً وحيداً واحداً، مادام الإنسان لا يمكن له أن يصل بعقله الواقعي إلى إدراك أن له إلهاً وحيداً واحداً هو الله تعالى، وأنه جامعه ليوم الحساب. وهذه العلاقة الرابطة بين سبيل الله تعالى ويوم الحساب هي المعيار الذي نستطيع بواسطةٍ منه أن نتفحص كلَّ طرحٍ ديني يقول بأنه بيان ما جاء به القرآن العظيم وما حوته رسالة الإسلام من شرعةٍ ومنهاج يتوجَّب على الناس التديُّن بها. فإذا كان هذا الطرح سليماً معافى من شوائب النفس وملوِّثاتها، فإنه سيكون قد وقع على هذه العلاقة الرابطة ما بين سبيل الله تعالى ويوم الحساب، وبما لا يتجلى فيه إصراراً على الدوران في فلك هذه الدنيا تشبُّثاً بكل ما هو دنيوي فيها، وبما يجعل من الدين مجرد محاولةٍ أخرى للانقضاض على سفاسف الدنيا وترهاتها من بين محاولات بشريةٍ غيرها كثيرة نهلت من هذا الواقع وما كان بمقدورها أن تتعالى عليه فتتجاوزه مادامت الحقيقةُ تأبى أن تقترب ممن لم يكن في قلبه غير هذه الدنيا وأهلها. إن الطرح الديني السليم المعافى هو ذاك الذي يبيّنها واضحةً جلية العلاقةُ بين سبيل الله تعالى ويوم الحساب، وبما يجعل هذا السبيل يُعرَّف بدلالة ذلك اليوم. فسبيل الله تعالى سبيل آخرة قبل أن يكون سبيل دنيا. واللهُ تعالى علَّمنا في قرآنه العظيم أنه يريد الآخرة. لذلك فما عليك، إذا ما أردت أن تتبيَّن صحة طرحٍ دينيٍ ما، غير أن تتدارسه بعينٍ تتفحَّصه لتتعرف على ما استقام عليه، فإن كان هذا ذا صلةٍ بالآخرة فهو الطرح الذي لك أن توافق عليه، وإلا فما حاجتك إلى طرحٍ لا ينطوي إلا على ما بالإمكان وصفه بأنه في وادٍ غير وادي الآخرة ويوم حسابها؟!
