الحب والأصل الحيواني للإنسان

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

cupid

يظن كثيرٌ من المتدينين أن الدين يُلزمهم بالقول بوجوب أن يكون الإنسان لا أصل حيوانياً له، مادام فقههم لهذا الدين يجعلهم ينظرون إلى الإنسان بعينٍ تراه صنيعة الله تعالى الذي خلقه خلقاً لحظياً دون أن يكون تخلُّقه مستغرقاً حقَباً من الزمان يقدِّرها العلماء بملايين السنين. وهؤلاء لا يؤسسون لمنطقهم هذا بحجج وبراهين قدرما ينطلقون في القول به من منطلقٍ آيديولوجي مفترض. فالحقائق والوقائع لا تعني لهم شيئاً مادامت كلها جميعاً تتناقض مع فرضيتهم هذه. ونحن إذا ما تدبرنا الإنسان، وقلَّبناه ظاهراً وباطناً، فلن يكون عسيراً علينا أن نتبيَّن فيه من آثار الأصل الحيواني ما يتناقض وطرحهم الآيديولوجي هذا. فالإنسان قد انطوى على الكثير مما لا يمكن أن يُفقه له سبباً وتعرف له علةً إلا بالرجوع إلى ماضيه الحيواني الذي احتشدت للتدليل عليه، والبرهان على حقيقيته، أدلةٌ وبراهين لا سبيل لدحضها بطرحٍ آيديولوجي لا برهانَ عليه.

ونحن إذا ما نظرنا إلى الكثير من تصرفات وسلوكيات الإنسان بعينٍ تراه صنيعةَ خلْقٍ لحظي، فإننا لن نتمكن على الإطلاق من أن نعلل لهذه السلوكيات والتصرفات أبداً. بينما بإمكاننا أن نعلل لهذه التصرفات والسلوكيات بكل يسرٍ إذا ما نحن نظرنا إلى الإنسان فرأيناه نتاج عمليةٍ تطوريةٍ استغرقت ملايين من السنين ترقى فيها هذا الإنسان طوراً من بعد طور في عالمٍ يحكمه قانون التطور الإلهي. وسوف أتناول في هذا المنشور واحدة من السلوكيات البشرية التي يتميز بها الإنسان، وذلك لكي أبين كيف بإمكاننا أن نفقهها بدلالة ماضيه الحيواني في الوقت الذي يعجز القول بالخلق اللحَظي له عن أن يجعل بمقدورنا فقه هذه السلوكية دون افتراضٍ لماضٍ حيواني له. والسلوكية هذه هي الحب الذي بإمكاننا أن ننظر إليه على اعتبار أنه من المميِّزات الرئيسة التي تمايز بها الإنسان عن الحيوان.

فإذا ما نحن شرعنا بدراسة ظاهرة الحب عند الانسان، والتي لا نجد لها نظيراً في عالم الحيوان، بافتراض أن الإنسان قد خُلق خلقاً لحظياً، ومن دون أن يكون له ماضٍ حيواني، فلن تصل بنا هذه الدراسة إلا إلى طريقٍ مسدود لا سبيل لتفاديه، وذلك لأن الإنسان المخلوق خلقاً لحظياً ليس بحاجةٍ إلى هذا الحب ليكون بمقدوره أن يتزوج، مادام الزواج شأناً بالإمكان تدبيره وفق ما يتعاهد ويتواضع عليه البشر أعرافاً وتقاليد. بينما تبُيِّن لنا دراستنا الحب البشري، بافتراض أن الإنسان ذو ماضٍ حيواني، أن هذا الحب ما هو إلا فعاليةٌ قد تطورت عن أصلٍ حيواني أُسِّس له ليكون الآلية التي يتم بموجبها ضمان انخراط أفراد النوع في عملية التكثير التي صُمِّمت الطبيعة لتحرص على أن يكون الهدف الذي تسعى كائناتها لتحقيقه. فالحب وفق هذه النظرة قد تطور عن أصلٍ حيواني كان يهدف إلى جعل الذكر والإنثى يُقدمان على ما سينجم عنه ظهور أفرادٍ جدد، تحقيقاً لبرنامج الطبيعة الذي خلقها الله تعالى لتحقيقه.

لقد كان مُقدَّراً للإنسان أن يُنتج الحب تطويراً لما كان عليه الحال في عالم الحيوان، وذلك لأن أكلة أبويه من الشجرة المحرَّمة قد جعلته ملتاثاً إلى الدرجة التي ما عادَ ما كان طبيعياً بوسعه أن يبقى على ما كان عليه من بعد ما أحدثته تلك الأكلة من أضرار تسللت إلى كل تفصيلٍ من تفاصيل بُنيته البايولوجية والفسيولوجية والسايكولوجية. لقد كان الأمر في عالم الحيوان بسيطاً دون أية تعقيدات أدخلها الإنسان عليه بسببٍ من تعقُّده الناجم عن الأكلة المحرمة. فالحب ما كان لينشأ في عالم الإنسان لولا ما تسببت به أكلة آدم وحواء من إضرارٍ حاق ببُنية الإنسان فجعل منه لا يرتضي البساطةَ التي كان عليها أمرُ التزاوج في عالم الحيوان، مادام هذا الإضرار قد جعله مدمناً على تعقيد كل شيء. وبذلك يكون الحب عند الإنسان واحداً من الأضرار التي نجمت عن الأكل من الشجرة المحرمة، شأنه في ذلك شأن العدوانية المفرطة وتدني المناعة وباقي تجليات الضعف الإنساني.

وهكذا يتبين لنا ما بمقدور القول بالخلق التطوري للإنسان أن يبيِّنه بخصوص ما لماضي الإنسان الحيواني من قدرةٍ على التعليل للحب عند الإنسان، وبما يجعل منه فعاليةً شاذةً غير طبيعية متناشزةً مع الطبيعة، مخالفةً لواحدٍ من أهم قوانينها الإلهية، ألا وهو قانون الاقتصاد في الصرف والإنفاق. فالحب إذ هو ظاهرة غير طبيعية، فإنه يبرهن على لاطبيعيته هذه بأنه يستهلك من الإنسان جهداً وطاقة هي في نظر الطبيعة إسرافٌ وهدرٌ لا مبرر لهما.

ولكن الحب عند الإنسان يأبى أن لا يكتفي بلاطبيعيته هذه التي شذَّ بها عن الطبيعة وتناشز معها، فتراه يُصِر على أن يبرهن على أصله الحيواني، وذلك بتميزه بهذا الذي يجعل من ذكر الإنسان قادراً على أن “يحب” أكثر من إمرأة واحدة في ذات الوقت! فلو كان الإنسان قد خُلق خلقاً لحظياً، فإنه ما كان بمقدوره أن يكون للذكر من توزُّعٍ وتشتُّتٍ يجعلان منه غير قادرٍ على أن يكون محباً لامرأةٍ واحدةٍ فحسب. وحده الماضي الحيواني للإنسان، الذي يستدعيه القول بالخلق التطوري له، قادرٌ على أن يحل لغز هذا “الحب التعددي” المميز لذكر الإنسان، وذلك إذا ما نحن أرجعناه إلى أصله الحيواني الذي ضمنت به الطبيعة أن يكون قانون الله تعالى في الاقتصاد في الصرف مُطاعاً من قبل كائناتها، وذلك بأن يكون لقلة من ذكورها، وكثير من إناثها، أن يأتوا بالكثير من الأفراد الجُدُد فيتحقق بذلك المراد من نشرٍ وانتشارٍ للحياة البايولوجية بأسرع وقتٍ ممكن.

إن هذا كله ليصب في خانة التدليل على أن الماضي الحيواني للإنسان هو الذي بمستطاعه أن يفسِّر غوامض ومبهمات هذه السلوكية المميزة للإنسان: الحب.

أضف تعليق