هل حقاً شرَّف اللهُ تعالى الإنسان بالعقل؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

بدايةً لابد من التفرقة ما بين “العقل النظري” و”العقل العملي”. فـ “العقل النظري” هو ما عرَّفه وأجمع عليه الفلاسفة والمفكرون، والذي بالإمكان أن يُلخَّص ما تواضعوا عليه بشأنه فيعرَّف بأنه عقل الإنسان في أوج كماله وتميُّزه بكل ما هو من شأنه أن لا يجعله عرضةً لما يشين من عوارض ونواقص تتعارض مع الفكر السليم والمنطق القويم. أما “العقل العملي”، فهو ما بإمكانك أن تقع عليه بدراسة أغلب الفعاليات العقلية كما يمارسها الإنسان، عبقرياً كان أم ذا قدراتٍ عقليةٍ محدودة. فالعقل الذي يُمتدَح هو ليس بالشيوع والذيوع والانتشار كما نظن ونتوهم مادام الإنسان لا يفكر بهذا العقل المثالي طوال الوقت. وحتى من كان من البشر متميزاً بأن له عقلاً متفوقاً، فليس بمقدوره أن يكون على الدوام بمنأى عن أن يطال عقله ما يجعل منه يفكر كما هو متوقع أن يكون عليه الحال مع الغالبية العظمى من البشر ممن ليس لواحدهم ما لصاحبنا من عقلٍ استثنائي متفوق. فدراسة العقول المتميزة كفيلةٌ بأن تجعلنا مستيقنين من أن الإنسان لا يفكر وفقاً لما يقضي به “العقل النظري” إلا قليلاً، وأن الغالب على تفكيره هو ما كان منه نتاج “العقل العملي”.
واللهُ تعالى إذ امتدح في قرآنه العظيم “الذين يعقلون”، ومايز بينهم وبين “الذين لا يعقلون”، فإن العقل الذي هو مربط الفرس هنا، لا يمكن أن يكون إلا العقل النظري، أي العقل الذي إذ يفكر فلا شائبة تشوب تفكيره فتجعله منقوصاً لهذا السبب أو ذاك من الأسباب التي عادةً ما تعتور عمل العقل فتقعد به عن أن يكون خلواً من النقائض والنقائص العقلية. لذلك فليس من الصحيح أن نقول إن الإسلام دين العقل ما لم يكن تعريفنا للعقل يجعل منه ذاك العقل المتميز بكل ما يفتقده العقل العملي الذي هو عقل الإنسان في الغالب الأعم. فالعقل الذي لا غبار عليه هو العقل الذي لا تشينه النواقض التي تفقده هذا التميز الذي جعله موضع الإشادة الإلهية في القرآن العظيم.
إننا لنخطئ إذا ما نحن اعتقدنا أن الدماغ هو العقل، وأن كل إنسان، إذ هو ذو دماغ موجود داخل رأسه، فإنه بالضرورة ذو عقلٍ راجح كامل، وبذلك لا يمكن على الإطلاق القبول بأن الإسلام دين قلب لا دين عقل، مادام العقل هنا هو هذا العقل المثالي الذي يدرك أن له حدوداً لا يمكن أن يتعداها فيتجاوزها إلى الحكم على ما هو ليس بمعقول، أي بما لا يمكن له أن يتعامل معه معرفياً بسببٍ من المحدِّدات والضوابط التي تنظم فعالياته العقلية. إذاً فالإسلام دين هذا العقل وليس دين أي عقل، كما يتوهم أعداء الإسلام من الجُهال وناقصي العقول.
لقد شرَّف اللهُ تعالى الإنسان بقدرةٍ عقلية فذة إذ جعل بإمكان كل واحدٍ من أفراد الجماعة الإنسانية، إلا ما شاء الله تعالى غير ذلك، أن يفكر بعقلٍ لا تختلط عليه الأمور فتجعله عاجزاً عن تبيُّن ما هو معقولٌ وما هو خلاف ذلك، إذا ما هو عقد العزم على أن يكون عقله العقل المثالي الذي خُلِق ليفكر به شريطةَ ألا يجعل هناك من سلطان على عقله هذا من نفسه وهواه، أو من أية سلطةٍ خارجية أخرى. ولكن واقع الحال ينبئ بأن الإنسان في الغالب الأعم لا إرادة له على أن ينحِّي ما يتعارض مع تفكيره العقلاني المثالي فيقصي بذلك الدخلاء من نفسه أو غيرها من المتسلطين الذين لا يريدون له أن يفكر بعقله تفكيراً سليماً. وبذلك يكون الإسلام عدواً لدوداً لهذا العقل الذي يأبى أن يفكر إلا وهو تحت تأثير هؤلاء “الدخلاء” الذين يتسبب تدخلهم في سير عملياته العقلية بجعله يفكر بعقلٍ أبعد ما يكون عن العقل الذي تشرَّف به خِلقةً وجبلة.
لقد خلق الله تعالى الإنسان بعقلٍ قادرٍ على أن يكون هذا “العقل النظري” الذي هو العقل المثالي الذي لا شائبة تشوبه، ولكن الإنسان أبى إلا أن يفكر بعقلٍ آخر عاجزٍ عن الترقِّي إلى مصافي العقل الذي خُلق ليفيد منه وينتفع به، إذا ما هو كان على ذاك القدر من الإرادة الذي تستوجبه تنحية وإقصاء “دخلاء” الذين ليس لهم من هَم سوى القعود به عن أن يكون ذا عقلٍ مثالي كامل. لقد خلق الله الإنسان لعبادته تعالى، وهذه الخِلقة الإلهية للإنسان استوجبت أن يكون ذا عقلٍ مثالي، وذلك ليكون بمقدوره أن يعينه على ما تقتضيه هذه العبادة لله تعالى. ولذلك كان عقل الإنسان مهيَّأً ليفكر التفكير العلاقني الأمثل إذا ما تعهد عقله هذا بكل ما هو كفيل بجعله يعمل بعيداً عن أي تأثيرات من الدخلاء الذين تعاهدوا على الحيلولة بينه وبين أن يكون المُعين للإنسان في سيره على طريق الله تعالى.
إن السموات والأرض بكل ما فيهما من موجودات “غير عاقلة” تعبد الله مادام تعالى قد خلق كل موجود ليعبده. إلا أن هذه العبادة لا سبيل لمقارنتها بعبادة الإنسان العاقل الذي ارتقى إلى التفكير بعقلٍ سليم من تأثيرات “الدخلاء”، فكان بذلك إنساناً عاقلاً ذا عقلٍ هو العقل المثالي الكامل. لقد خلق الله تعالى الإنسان ليكدح ويجاهد فيصل إلى ما يجعل منه إنساناً ذا عقلٍ كاملٍ سليم، فيكون بذلك إنساناً كاملاً يعبد اللهُ تعالى كما ليس بمقدور أحدٍ من موجودات السموات والأرض التي لم يشرفها الله تعالى بالعقل.
إذاً ليس كل إنسانٍ يحق له أن يزعم أنه مشرَّف بالعقل ما لم يكن ذا إرادةٍ تجعل منه يفكر بعقله هذا دون أن تخالط تفكيره شوائب الدخلاء.

أضف تعليق