النظرة إلى الإنسان بماضييَه

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

 ying yangتتميز الغالبية العظمى من بني سيدنا آدم عليه السلام بأن نظرتهم إلى كثيرٍ من موجودات وظواهر هذه الحياة الدنيا تجعل منهم عاجزين عن أن يروا ما فيها من حقائق يناقض بعضها بعضاً؛ فالشيء عندهم إن تنازعته حقيقتان متناقضتان فلابد وأن تُنحَّى واحدة منهما لتسود الأخرى، حتى وإن كان لا قيام لهذا الشيء إلا بهاتين الحقيقتين المتناقضتين اللتين لابد وأن يُنظَر إليهما بعينٍ تراهما على ما هما عليه من هذا التواجد الضرورة. ولكن هذه النظرة المثالية للأشياء نادراً ما تكون نظرتنا التي تستسهل أن ترى الأشياء دونما تناقض أو تعارض بين حقائقها، ولا أدلَّ مثالاً على هكذا نظرةٍ تميَّزنا بها منذ بداية تاريخ الجنس البشري على هذا الكوكب من نظرتنا إلى الإنسان الذي نأبى أن نراه بحقيقتين متناقضتين هما الوجهان لحقيقته التي سوف لن يكون بمقدورنا أن نقع عليها دون الإقرار بأنهما حقيقتاه. فإصرارنا على أن الإنسان ذو ماضٍ واحد وحيد لن تجعلنا ننجح في فقه الكثير من متناقضاته ومبهمات أسراره. وحدها النظرة التي ترى الإنسان بماضيين، متناقضين بالضرورة، بمقدورها أن تجعلنا نفقه هذا الإنسان فقهاً نتمكن به من توصيف مشكلته وتبيُّن الطريق المفضي إلى حلِّها. فالإنسان تمايز عن باقي كائنات الطبيعة بأنه ذو مشكلةٍ أصيلةٍ لا يمكن له أن يتواجد على هذه الأرض دون أن يعاني من تجلياتها وحيثياتها. فليس عند الحيوان مشكلة، ولا عند النبات. أما الإنسان، فمشكلته لا يمكن أن يُنظَر إليه دون أن تشوبَ هذه النظرة تداعيات لهذه المشكلة.

لقد نظر التطوريون إلى الإنسان فلم يروا من ماضيه إلا ما وجدوا له آثاراً في حاضره جعلتهم مستيقنين من أن هذا الماضي لابد وأن يكون حيوانياً بالكامل دون أدنى شك. ولقد احتشدت لتعزيز نظرتهم الأحادية هذه براهين وأدلة ظنوا أنها تكفي للحكم النهائي على أحادية أصل الإنسان وماضيه. غير أن هذا الإنسان، إذ تتجلى فيه آثار ماضيه الحيواني السحيق، فإن حاضره لا يعجز عن رفدنا بما نحتاج من دليل وبرهان على أن هناك في ماضيه شيئاً آخر غير ما هو ذو صلةٍ بحيوانيته لابد من الإقرار بحدوثه كيما يكون بوسعنا أن نفقه هذه الآثار تعليلاً وتفسيراً. والبراهين تترى على ذاك الماضي المجهول الذي يوازي ماضي الإنسان الحيواني قدرةً على التعريف بالإنسان.

أما رجال الدين، فلقد عزَّ عليهم أن يكون الإنسان سليل كائنٍ متدنٍّ وضيع كالحيوان، مادام الإنسان عندهم أعظم المخلوقات وسيِّدها. ولذلك فلم يكن بمقدورهم، والحال هذه، أن ينظروا إلى الإنسان بعينٍ تراه على ما هو عليه حقاً وحقيقةً في نشوزه وشذوذه عن الطبيعة التي يتجلى فيها كلُّ ما افترضوه ظلماً وعدواناً في الإنسان، وإن كانت في نظرهم طبيعةً ناقصة غير عاقلة مقارنةً بهذا الإنسان العظيم العاقل!

إن التطوريين ورجال الدين قد توافقوا، دون وعي منهم، على أن ينظروا إلى الإنسان نظرةً لا ترى متناقضاته التي كان ينبغي عليهم أن يستنتجوا منها أن حقيقةَ هذا الإنسان لا يمكن أن تكون بالبساطة التي يتصورون، وأن التعقيد الذي انطوت عليه أمرٌ لابد من الإقرار به قبل أن يتسنى لهم الزعم بأنهم قد عرفوه على ما هو عليه حقاً. فماذا يضير الطرفين لو أنهم أجمعوا على أن الدلائل والبراهين جميعاً تؤكد أن لهذا الإنسان ماضيين: حيواني للتطوريين أن يجيؤوا بكل ما من شأنه أن يؤكده، وآخر مجهول لرجال الدين أن يعلِّلوا له بالرجوع إلى ما حدث لآدم وحواء في جنة الفضاء؟!

إن الإقرار بتعقيد المشكلة الإنسانية، خطوة أولى على طريق الوصول إلى علاجها. وهذا الإقرار أمرٌ ليس بالمتوقع من الطرفين القيام به مادام التبسيط هو ما يستسهله عقل الإنسان، عالم تطور كان أم عالمَ دين.

أضف تعليق