الارتداد (عكس التطور) De-Evolution

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

أجمع علماء البايولوجيا التطورية وعلماء الدين التقليديون على النظر إلى الإنسان بعينٍ لا ترى فيه إلا ما هو قمينٌ بتعظيمه وتمجيده وتسييده على هرم الكائنات الحية. وهذا من قلائل الأمور التي اتفق عليها من فرَّقتهم الآيديولوجيا بين رفض لفكرة الإله الخالق وإصرارٍ عليها. فالخلاف بين الطرفين هو، وعلى عكس ما يظن الكثيرون، خلافٌ عقائدي آيديولوجي لا علاقة له على الإطلاق بما يتوهم هذا النفر من رجال الدين الذين استصعبوا قبول فكرة الإله الذي خلق الخلق تطويراً طوراً من بعد طور.
على أي حال، فلقد تواضع القائلون بالخلق اللحظي، والقائلون بأن الطبيعة لا تحتاج إلى خالق، على النظر إلى الإنسان ورؤيته مثالاً نموذجياً متميزاً بكل ما من شأنه أن يجعل منه الكيان البايولوجي الأرقى من بين كل ما تضج به الحياة من كائنات نباتيةً كانت أم حيوانية. والعجيب أن مُسلَّمة “التطور” التي يؤمن بها علماء البايولوجيا التطورية، لم تستند في نظرتها المبجِّلة للإنسان إلا إلى ما تمايز به عن الحيوان عقلاً استثنائياً متفرداً قادراً على صناعة الأشياء واختراعها، وبما جعل منه الحيوان الوحيد الذي أنشأ حضارة. فالتطور عند هؤلاء هو ليس بأكثر من هذا العقل الذي قارنوه بتجلياته في عالم الحيوان وخلصوا إلى أنه المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه في الحديث عن “تطور” الحياة البايولوجية. وهذا ما وافقهم عليه علماء الدين التقليديون الذين لا يقلُّون افتتاناً وهوساً بعقل الإنسان عن نظرائهم من علماء البايولوجيا التطورية الملحدين!
إن النظرة هذه إلى “التطور”، والتي تقصره على التطور الدماغي-العقلي، لا يمكن القبول بها لتكون التعريف الجامع المانع للتطور. فلا يعقل أن يتم التركيز على التطور العقلي-الدماغي هذا وتنحَّى وتُقصى باقي المفردات الاسثنائية التي تميّز بها الإنسان وانفرد في شذوذه البيِّن عن باقي كائنات الطبيعة وتناشزه الصارخ معها. فلماذا يكون الإنسان متطوراً بالمقارنة مع باقي “الكائنات الطبيعية” لمجرد كونه ذا دماغٍ أرقى وعقل أسمى؟!
إن حصر “التطور” بما له علاقة بالعقل فحسب، دليل على إغفال علماء البايولوجيا التطورية للكثير مما تفرَّد به وتميَّز هذا الإنسان. وهذا الإغفال قد جعل من هؤلاء العلماء عاجزين عن رؤية هذه الميزات الاستثنائية الأخرى التي انفرد بها الإنسان عن باقي كائنات الطبيعة انفراداً لا يمكن على الإطلاق أن يُنظر إليه فيُرى على أنه من الأدلة التي تبرهن على أنه قد تميز عنها ارتقاء وتطوراً. فنحن إن أنصفنا ولزمنا الحيادية منهجاً لنا في مقاربة كل ما يتميَّز به الإنسان عن باقي كائنات الطبيعة، فلن يكون بمستطاعنا على الإطلاق أن نبرهن على أنه الكائن الأرقى والأسمى في سلم التطور. لقد آن الأوان للعدول عن هذه النظرة الآيديولوجية إلى الإنسان باعتباره أرقى الكائنات الحية لمجرد كونه أكثرها تطوراً دماغياً وعقلياً.
إن الإنسان، إذا ما نحن تدبَّرناه بعينٍ لا تخالط نظرتها إليه شوائب من هذا التقديس له والتبجيل، لن يفلح في جعلنا نتوهمه فنظن به ما هو ليس عليه من سمو وارتقاء. إن الحق ليوجب علينا أن ننظر إلى الإنسان لنراه كائناً لم يتطور فيه غير هذا الدماغ وفعالياته العقلية، وهذه كلها جميعاً لا تكفي لإلزامنا بوجوب القول بأنه الكائن الأرقى في عالم الطبيعة. إن العقل وحده لا يكفي ليكون الإنسان أرقى كائنات الطبيعة، مادام ما يميزه عنها أكثر بكثير من قدرات عقله هذا.
إن ما حدث للإنسان لا يمكن على الإطلاق أن يُصار إلى توصيفه بأنه تطور طبيعي انتهى بأن جعل منه أعقد كائنات الطبيعة دماغاً وأرقاها تفكيراً عقلياً. فإننا لو توخينا الدقة لوصَّفنا ما انتهى إليه الإنسان من بعد رحلة “التطور” المزعوم هذه، بأنه ما تطور فيه إلا العقل منه، وبذلك يتوجب علينا أن نعي أن باقي ما تمايز به الإنسان عن باقي كائنات الطبيعة يكفي لأن نصف ما حدث له بأنه ارتداد عن التطور والارتقاء، وأنه في حقيقته تردٍّ وارتداد. إن انحدار الإنسان عن سلم التطور، بشهادة تناشزه مع الطبيعة وشذوذه عنها، هو ضديد ما أجمع عليه علماء البايولوجيا التطورية في مقاربتهم للإنسان، وبما جعل منهم ينظرون إليه فيرونه أرقى كائنات الطبيعة وأسماها. وهذا الانحدار هو عكس ما يريد هؤلاء أن يوهمونا به بقولهم إن ما حدث للإنسان هو تطور (Evolution). إن ما حدث للإنسان هو عكس ما تدل عليه كلمة “تطور” لأن ما حدث له هو العكس من هذا التطور. وبذلك يكون عكس التطور (De-Evolution)، هو ما ينبغي أن تنتهي إليه مقاربتنا غير الآيديولوجية للإنسان.
إن الارتداد (عكس التطور) هذا، ظاهرةٌ خارقةٌ للعادة بمعنى الكلمة. والطبيعة لا يمكن على الإطلاق أن تسمح لهذه الظاهرة بأن تستمر في تناقضها الصارخ هذا مع قوانينها الشديدة الصارمة. ولذلك، فعلى علماء البايولوجيا التطورية أن يقرُّوا بأن هذا العجز للطبيعة عن السماح لهذا الارتداد (عكس التطور) بالحدوث والاستمرار، لا يمكن أن يُعلَّل له إلا بتوسل علة ميتافيزيقية يعجز الواقع الذي نعرفه عن التسبب بها، مما يلزمهم بالضرورة بوجوب التفكير ملياً بما يقدمه القرآن العظيم من تصور لما حدث فجعل هذا الارتداد (عكس التطور) يحدث.

أضف تعليق