العبادة الفردية وحكم الجماعة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لا إكراه في الدينتوجه الله إلى الإنسان مخاطباً إياه بوجوب أن يعبده تعالى دون أن تكون عبادته هذه مشروطةً بأية شرائط ولا محددةً بأية محدِّدات. ولذلك كان هذا الأمر الإلهي المخاطَب به الإنسان مخالفاً لما يزعم به نفرٌ من رجال الدين افترضوا تصوراً لما ينبغي أن تكون عليه العبادة كيما تكون مقبولةً من الله تعالى وبما يجعل منها لا قيام لها إلا في ظل تسلُّطهم على رقاب العباد حكماً للبلاد زعموا أنه الوسيلةُ الفضلى لضمان تقيُّد أفراد الأمة بالعبادة التي فرضها الله تعالى عليهم! لقد فات هؤلاء أن الدين لم يشترط قيام الدولة الدينية حتى يكون بمقدور أفراد الأمة ممارسة ما أُمروا به من عبادات. فالدين مخاطَب به الفرد قبل الجماعة. وهذا ما لم يرق لهذه الفئة الضالة من رجال الدين التي ظنت أنها بوساطةٍ من هذا الدين تستطيع أن تقفز إلى سدة الحكم ليتسنى لها بذلك فرض فقهها للدين على أفراد الأمة.

لقد صدَّع هؤلاء أدمغتنا بحديثهم الممل الممجوج عن الشريعة، وعن ضرورة إلزام أفراد الأمة كلهم جميعاً بتنفيذها. والشريعة بظن هؤلاء الضالين من رجال الدين ينبغي أن تفرضها على أفراد الأمة حكومة دينية تُلزم هؤلاء الأفراد بتطبيق الشريعة بحذافيرها كرهاً ورغم أنوفهم شاؤوا أم أبوا! فلكأن الفرد عاجز عن أن يختار لنفسه ما سيحدد مصيره في الآخرة، حتى يأتي هؤلاء الضالون فيجعلوه ملزَماً باختيار ما حددوه له واختاروه بالجبر والإكراه! إن شريعة الله تعالى لا ينبغي أن تفرضها حكومةٌ دينية على أفراد الأمة، مادام اللهُ تعالى قد كفل لكل فردٍ حرية الاختيار إن شاء آمن وإن شاء كفر. واللهُ تعالى ليس عاجزاً عن أن يفرض شريعته الغرة السمحاء على أفراد الجماعة الإنسانية كلهم جميعاً لو أنه أراد ذلك. ولكنه لم يرد إلا أن يختار الفرد أن يطبق الشريعة بإرادته الحرة دون أن يُقسر على ذلك بالجبر والإكراه. فلماذا هذا الإصرار على إلزام الكل بالانصياع والتقيد بشريعة الله، وهو تعالى لما يأمر أحداً من خلقه بإجبار أحدٍ على عبادته تعالى؟!

إن التذرع بأن مصلحة أفراد الأمة كلهم جميعاً منوطة بإيكال الأمر إلى حكومةٍ دينية تفرض الشريعة عليهم هو محض هراء! فالدين فردي بامتياز. واللهُ تعالى محاسب كلاً بأعماله هو التي اقترفها يإرادته الحرة الأبية. وأي قسرٍ للفرد وإلزام له على التقيد بتطبيق الشريعة مكرهاً رغم أنفه بالجبر والإكراه، إنما هو في حقيقته تعدٍّ واجتراء على الله تعالى قبل أن يكون عدواناً وجوراً ظالمَين على الفرد. ألا تباً لكل من يتوسَّل الشريعة سبباً ليقفز بها إلى سدة الحكم وتباً لكل من يصدِّق هذه الفئة الضالة من رجال الدين معتقداً بضلالاتهم وداعياً إليها ومضلاً بها!

إن اللهَ تعالى قد كفل للعباد الحرية التي تتيح لهم اختيار الرضوخ لشريعته بإرادتهم الحرة، أو الإعراض عنها بإرادتهم الحرة. والحاكم هو فرد من أفراد الأمة مكفولٌ له ما قد كُفل لغيره من أفرادها. فهو إن شاء آمن بالشريعة فطبَّقها، وإن شاء لم يفعل. وبذلك فلا منطق سليماً في وجوب أن يكون الحاكم مطبقاً للشريعة على ذاته وعلى أفراد الأمة. إن فرض الحاكم الشريعةَ التي هو حرٌّ في اختيار أن يلتزم بتطبيقها أم لا على أفراد الأمة ليس من الدين في شيء مادام اللهُ تعالى قد كفل لأفراد الأمة الحرية التي تتيح لهم الاختيار. وبذلك تسقط كل حجة لهذه الفئة الضالة من رجال الدين ولا يعود بإمكانهم التذرع بالشريعة ليُصار إلى إلزام أفراد الأمة بها جبراً وكرهاً.

إن صلاح المجتمع لا سبيل لتحققه إلا بقيام كل فرد من أفراد الأمة بإصلاح ذاته كما تأمر بذلك الشريعة. وكل حديث آخر هو محض أباطيل مادام هو يستند إلى تصورات تتناقض مع جوهر هذه الشريعة القائم على أساس يكفل لأفراد الأمة حرية تطبيق الشريعة على أنفسهم أم لا. لقد آن الأوان لفضح أراجيف وأكاذيب هذا النفر الضال من رجال الدين الذين يريدون أن يفرضوا على أفراد الأمة الشريعة بالجبر والإكراه ناسين أن مجتمعاً قائماً على هذه الشريعة التي يجبر أفراده على تطبيقها قسراً رغم أنوفهم لن يكون المجتمع الفاضل الذي يتوهمون، وأنه لا قيام لهذا المجتمع الفاضل إلا على أساسٍ من الفردية المطلقة المكفول لها حريةٌ مطلقة في الاختيار تطبيقاً للشريعة باختيارهم دون قسرٍ أو إكراه.

أضف تعليق