بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يريدنا العلم أن نصدِّقه فنتوهم معه أنه قد استوعب الوجود ظواهر وموجودات تعليلاً وتفسيراً. ويريدنا العلم أن نشعر بالأمان مادام هو قد استطاع أن يزيل الغموض والإبهام عن كل ما كان يمثل لأجدادنا لغزاً محيِّراً استعصى على الألباب فقهاً وتأويلاً. والعلم لا يجد مبرراً للقلق الوجودي الذي قد يساورنا إذا ما نحن ذُكِّرنا بأن هذا الوجود قد يكون مخلوقاً، وأنه قد لا يكون وليد قوانين العلم ونظرياته كما يزعم العلماء، وأن الموت البايولوجي قد لا يكون خاتمة المطاف فتنتهي بذلك قصة الإنسان دون أن يعقبه بعثٌ ونشورٌ فحسابٌ فجزاءٌ جحيماً أو نعيماً. فمادام العلم قد استطاع أن يعلل لكل ما في الوجود من ظواهر درسها، فليس هناك من مبرر ليداخلنا أي شك يجعل منا مترددين بين تصديقه وبين التفكير في احتمال أن يكون ما يقول به الدين حق. فكل ما في الوجود من ظواهر انكبَّ عليها العلماء درساً وبحثاً تخضع لسلطان العلم الذي نجح في استيعابها داخل بنيانه النظري فجاءت نظرياته بكل ما هو من شأنه أن يجعل هذا الوجود معقولاً لعقولنا التي لن تحتاج بعد ذلك إلى ما يتجاوز هذا الواقع ليكون بمقدورها أن تستوعب ما يحدث فيه فتصدق أن هناك حقيقةً كامنةً من وراء أكمته لا يمثل الواقعُ منها إلا ظاهراً وقشرةً وسطحاً لا سبيل لأن يعيننا على الوقوع على ما هو كائن متوارياً تحت هذا الظاهر من حقيقةٍ هي ليست بالضرورة كما يتوهم هذا العلم. كان الأمر ليغدو بهذا اليُسر الذي يتوهم العلم لولا أن الوجود قد انطوى على ظواهر لم يأخذها العلم بالحسبان مادامت نظرياته قد عجزت عن أن تستوعبها داخل بنيانه النظري. فكيف يريدنا العلم أن نشعر بالأمان وهناك في الوجود هذه الظواهر المستعصية عليه فقهاً وتفسيراً وتعليلاً؟! وما يدرينا أن هذه الظواهر الخارقة لبنيانه المعرفي النظري ليس لها أن تشير إلى تلك الحقيقة المتوارية من وراء أكمة الواقع، وبما يجعل مما يقول به الدين يستدعي منا أن نطرق مفكرين متدبرين في احتمالية أن يكون هناك خالق خلق الوجود بأجلٍ مسمى، وأن هناك قيامةً وحساباً وجنةً وناراً؟!
لقد أزاحت هذه الظواهر الخارقة للبنيان المعرفي للعلم الشعور الزائف بالأمان الذي أرادنا العلم أن نستشعره ونحن نتفيَّء ظلال نظرياته الواهمة. فإذا ما أراد العلم أن يستعيد سطوته على عقولنا وقلوبنا وأرواحنا، فإن عليه أن يبادر إلى كل تلك الظواهر التي انصرفت عنها نظرياتُه فيشرع بدراستها وبحثها لعله يستطيع أن يستوعبها تفسيراً لها وتعليلاً يجعلها يزول عنها ما تتميز به من عائديةٍ لعالم الحقيقة، ومفارقةٍ لعالم الواقع، ولن يستطيع إلى ذلك سبيلاً. فهذه الظواهر قد تمايزت عن الظواهر الواقعية، التي نجح العلم في تطويعها تعليلاً وتفسيراً، بكل ما هو كفيل بجعلها تأبى أن يكون شأنها شأن ظواهر الواقع التي هي مادة نظريات هذا العلم. إن العقل الذي يريد أن لا يطمئن إلى الأوهام لن يكون بمقدوره أن يشارك العلم هذا الشعور بالأمان الزائف مادام هناك في الوجود من الظواهر ما يعجز هذا العلم عن أن يجد لها تفسيراً “علمياً” يذهب بما يميزها من تناشزٍ عن “ظواهره” التي أقام بنيانه المعرفي على أساس من بحثه فيها. وبذلك يطل علينا الدين بوجهه الإلهي المذكِّر بما قد أعرضنا عنه يوم أن صدَّقنا ما أوهمنا به العلم. إن ظواهر الوجود الخارقة لبنيان العلم المعرفي بمقدورها أن ترعبنا وتخيفنا مادامت نظريات العلم لا سلطة لها على ما تتميز به هذه الظواهر باستعصائها وتمردها على العلم.
لقد حذرنا اللهُ تعالى في قرآنه العظيم من أن نتخذ لنا بيتاً شبيهاً ببيت العنكبوت وهناً وضعفاً. والعلم بيتُه هو كبيت العنكبوت هذا مادام ليس بمقدوره أن يشعرنا بالأمن والأمان، ونحن ننظر حوالينا فنرى أن في الوجود أحداثاً وظواهر تأبى أن تنصاع لما يظن ويتوهم من نظريات خُيِّل إليه أنها فصل الخطاب. فلله تعالى الحمد على ظواهر الوجود الخارقة مادامت هذه الظواهر قد أبانت عن الضعف التصميمي المميِّز لهذا العلم الذي يريدنا أن نتوهم معه أن الأمان متحقق بسيرنا في ركابه متفيئين أوهامه التي شيَّد عليها بنيانه وصاغ من مادتها نظرياته.
