بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قبل ثلاثة أشهر انطلقت هذه المدونة بهدف تبيين ما بمقدور التصوف أن يكشفه من حقائق ذات صلة بالإنسان الذي يزعم كل من تلقى أنه الوحيد الذي بوسعه الحديث المفصِّل لما انطوى عليه ظاهرةً ومشكلةً، وبما يتكفل بتوصيف هذه المشكلة بكل تجلياتها وتداعياتها، وبتقديم العلاجات الشافية لأمراضها وأسقامها. وإذا كان الكل “خبيراً” بهذا الإنسان، يقلِّبه ظاهراً وباطناً بالتعليل والتفسير، فإن الواقع ليشهد بأن هذه “الخبرة” لا يمكن الركون إليها إذا ما نحن أردنا أن نكون جادين في التعامل مع الأمور. ونحن بوسعنا أن نطّرح جانباً كل ما يصرح به مدَّعو العرفان بهذا الإنسان من العوام من الذين لا علم لهم ولا خبرة إلا بسفاسف الأمور وترهاتها. كما أن كثيراً مما خرج به علينا العلماء العارفون ببدن الإنسان ونفسه طباً وسايكولوجيا، لا يمكن القبول به بعد أن تبيَّن لنا بالدليل القاطع أنهم غير مؤهلين للجزم والقطع بصحة ما يقولون، مادامت النتائج قد جاءت خلاف ما كانوا يتوقعون. ولعل واحداً من أكثر البراهين قدرةً على التدليل على خيبة وفشل هؤلاء، مقاربتهم غير الموفَّقة لكثير من العلل والأمراض “النفسية”. فهذه المقاربة الخائبة الفاشلة قد أسفرت عن فشل ذريع في توصيف ما يعتور وينتاب مرضاهم “النفسيين”، وبما تجلى في عجزهم عن الوصول بهؤلاء المساكين إلى بر الأمان والشفاء، وذلك على الرغم من كل تلك الأدوية الفاشلة التي زعموا أن بمقدورها أن تجعل “المرض النفسي” يتلاشى ويختفي إلى الأبد! ومن بين هذه “الأمراض النفسية المزعومة” ما يسمى بـ “داء الكآبة”. وهذا الداء المزعوم يعاني منه ملايين البشر في مختلف أرجاء العالم. ولم يستطع الطب النفسي، حتى يومنا هذا، أن يتوصل إلى علاج شاف لهذا الداء المزعوم.
والتصوف، إذ هو علم العلوم، فإنه إذ يقارب الظاهرة الإنسانية، لا يعجز عن أن يتبيَّن ما انطوت عليه من ضعف خَلقي كان له أن يتجلى أسقاماً وأمراضاً شتى. كما أن هذا الضعف البشري المجبول به الإنسان، له أن يتجلى أعراضاً تجلِّيه أمراضاً. والكآبة هي من هذه الأعراض التي هي من تجليات الضعف البشري هذا. وبذلك تكون الكآبة من منظور التصوف عرَضاً لا مرضاً. ولأنها كذلك، فلا علاج لها إلا من بعد أن يتم التعرف عليها وتعريفها بدلالة هذا الضعف البشري المجبول به الإنسان.
إن إحساسك بالكآبة، ومعاناتك منها، مؤشران على وجود خلل جسيم في علاقتك بالله تعالى. فالله تعالى ما كان ليعذبك بهذه الكآبة إلا ليشعرك بأنك لستَ سائراً في الاتجاه الصحيح إليه. فالكآبة هي مؤشر على خلل في علاقتك بالله تعالى لا أكثر. وهذا الخلل بإمكانك أن تعالجه بكل بساطة، وذلك بأن تعي أنك ما اكتأبت إلا لتقصيرٍ منك في تقوى الله تعالى والخوف منه. فتقوى الله تعالى كفيلةٌ، إذا ما أنت واظبت عليها، بتخليصك من كآبتك مادامت هذه التقوى منك هي المؤشر الدال على أن علاقتك بالله تعالى لا تشوبها أية شائبة من شوائب النفس والهوى.
إن تقوى الله تعالى تعم عليك بنورٍ لطيف خفي، إن كنت عاجزاً عن أن تراه فإنه غير عاجز عن أن يطفئ نار نفسك التي استعرت فجعلتك كئيباً. فإذا ما أنت صححت علاقتك بالله تعالى بتقواك له، وبخوفك منه، فسوف يتكفل هذا بجعلك تشفى من كآبتك فور أن تتمكن التقوى من قلبك وتغشاك خشيةُ الله فلا تبقي على أثرٍ من آثار سوء علاقتك به تعالى.
وهذا علاجٌ بوسعه أن يحقق الشفاء لكل ما يُزعَم أنه “مرضٌ نفسي”، وهو في حقيقته ليس إلا عرَضاً من أعراض البُعد والنأي عن الله تعالى. إن الاقتراب من الله تعالى، بعبادته وتقواه، لهو كفيلٌ بحرق كل عرَض من هذه الأعراض التي ما تكالبت على الإنسان إلا لتذكره بأن له رباً رحيماً أعرض عنه. فهذا الإعراض هو علة هذه الأعراض. فلا مرض نفسياً هناك يستدعي منك تصديق من يزعم أنه قادرٌ على شفائك منه، مادام هو لم ينظر إليك بعينٍ ترى ما أنت عليه من شقاء تسببت أنت به بنأيك وابتعادك عن ربك الرحيم.
إن خير دواء لكل “أعراض الإنسان النفسية” هو ملازمة الخوف من الله تعالى والمواظبة على خشيته وتقواه. ولقد جربتُ أنا هذا الدواء، فكان أن فارقتني كثير من “الأعراض النفسية” التي كنت أرزح تحت نير تسلطها علي بسببٍ من كوني إنساناً خُلق ضعيفاً يوم أكل أبواه من الشجرة المحرمة. وإني لأنصحك بأن تجرب ما نجح معي لعله أن ينجح معك أيضاً إذا ما وقر في القلب منك أن عماد الأمر هو صدقك مع الله تعالى بتقواه التي لن تتملك قلبك إلا بهذا الصدق منك. ولك أن تفعل ما أفعله أنا كل ليلةٍ ويوم إذ أواظب، ومنذ سنوات، على الإكثار من هذا الدعاء: (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً إنها ساءت مستقراً ومُقاما).
