بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

فرض رجال الدين التقليديون وصايتهم على كل ما له علاقة بالدين. فتراهم يفسرون مفرداته وفق ما تمليه عليهم جهالتهم به. فالقرآن العظيم عندهم هو كتاب دنيا وسياسة ولا علاقة له بمحتواه الرباني القائم على أساس من تأهيل المؤمن ليكون إنسان الآخرة. فالدنيا كل همِّهم وأقصى مطمحهم. والآيات القرآنية الكريمة لا تمثل لهم مقدسات يتوجب عليهم الحذر قبل أن يقاربوها بنيَّة التأويل والتفسير وهم لما يصبحوا ممتلئين بتقوى الله تعالى التي وحدها تمكِّن من يروم أن يقع على معناها من أن لا يغيب عنه ما حُمِّلت به من المعنى. أنظر إليهم كيف قاربوا آية الاستخلاف والتمكين في سورة النور (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). إن مقاربتهم الفاشلة لهذه الآية الكريمة جعلتهم يحددون شروطاً للاستخلاف والتمكين تفضح طمعهم في السلطة والرياسة. فالله تعالى ما وعد المؤمنين بالاستخلاف والتمكين حتى يجعل الحكم مطمحهم ومطمعهم! إن ما أراده الله بهذا الاستخلاف والتمكين لا يعدو أن يكون الحياة الطيبة التي وعد تعالى مَن سار على طريقه ملتزماً بضوابطه الإلهية أن يحياها في هذه الحياة الدنيا. ولكن من كانت الدنيا لا تفارق مخيلته والرياسة جُل ما يطمح إليه، لا يمكن أن يوفَّق لفقه الاستخلاف والتمكين وبما يجعله يقع على ما انطوى عليه من حقيقته التي لا صلةَ وصلٍ لها بما هو ذو صلةٍ بما يتصارع عليه طالبو الدنيا.
وإذا ما نحن أردنا أن نتدبر آية الاستخلاف والتمكين هذه، بنيِّة معرفة ما يتوجب علينا القيام به لينجز لنا الله تعالى وعده بهما، فعلينا أن نعي أولاً أن لا تمكين لمن لم يمكِّن اللهَ تعالى من قلبه، وذلك بعزوفه عن السماع لما تأمر به نفسه ويصرخ به هواه. وأن ندرك بعدها أن لا استخلاف إلا لمن سارَ على طريق الله مسافراً إليه مستخلفاً إياه تعالى في ماله وأهله وولده. عندها يتجلى لنا معنى الاستخلاف والتمكين البعيد البُعد كله عن أي تطلُّع إلى ما هو ذو صلةٍ بالذي جُبلت عليه النفس من طمع في التسلُّط على الغير.
