بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يتميز الإنسان بكونه حيواناً غير طبيعي. ولاطبيعية الإنسان هذه عليها ألف ألف برهان. ومن بين هذه البراهين أنه يعتل ويمرض لأسباب لا علاقة لها بالواقع الذي تشاركه فيه صنوف وأنواع الحيوان. فكثير من علل الإنسان علتها غير واقعية، أي لا تنتمي لواقعه الملموس المنظور المحسوس. كما أن هذا الإنسان، المبتلى بالكثير، عرضةٌ لأعراض أخرى كثيرة تشارك هذه الأمراض غير الواقعية هويتها الميتافيزيقية بسببٍ من انتمائها لعالمٍ لطيف خفي غير منظور متوارٍ من وراء حجاب ميتافيزيقي. وهذه القابلية المميِّزة للإنسان، والتي تجعله عرضةً لأعراض وأمراض ميتافيزيقية لا قدرةَ لواقعه على التسبب بها، هي واحدةٌ من تجليات تناشزه وشذوذه عن الطبيعة التي وسمت كائناتها “الطبيعية” بكونها لا تمرض إلا بعوامل مَرضية طبيعية Natural Pathogens.
والقرآن العظيم قد أنبأنا بأن الإنسان معرَّض لهجومات من قبل كائنات ميتافيزيقية إن عجز عن أن يكون بمقدوره أن يراها، فإنها تراه كما يرى هو موجودات واقعه المنظور (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون) (27 الأعراف). وهذه الشياطين التي ذكرتها الآية الكريمة، تهاجم الإنسان بالإغواء والتزيين والتضليل وهو لا يملك إزاءها إلا أن يستعيذ بالله تعالى منها مادامت هجوماتها ميتافيزيقية فلا قدرةَ له على التصدي لها بكيانه الفيزيقي. ويعلِّمنا القرآن العظيم كيف نتصدى لها في الآيتين الكريمتين 97-98 من سورة المؤمنون (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ). والإنسان عاجز بهذا البدن البايولوجي عن أن يدفع عن نفسه غوائل التزيين والإضلال اللذين يهاجمه الشيطان الرجيم بهما، ولذلك فليس هناك من سبيل ليفلت الإنسان من عواقب هذا الهجوم الشيطاني إلا بالاستعاذة بالله تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (200 الأعراف)، و(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (98 النحل).
لقد أنبأنا القرآن العظيم بحقيقة جِبلتنا التي خُلقنا بها ضعفاء (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء). وإذا كان الإنسان قد خُلق ضعيفاً، وبما يجعل منه عرضةً لهجومات من يرونه ولا يراهم من الكائنات الميتافيزيقية، فإن هذه الكائنات قد أنبأنا اللهُ تعالى بأن كيدها ضعيف، وبالتالي فليس لها أن تؤثر فينا إذا ما نحن استعنَّا عليها بالله مستعيذين به تعالى منها (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (من 76 النساء).
إن أكل أبوينا من الشجرة المحرمة قد نجم عنه ما جعل منا ذوي بُنيةٍ بدنية بايولوجية هشة ضعيفة. وهذا الضعف البايولوجي يعززه ضعفنا الآدمي أمام الإغواء والتزيين. فلا ينبغي أن ننسى أن آدم الذي خلقه الله تعالى في أحسن تقويم لم يكن محصَّناً ببنيته القويمة هذه، وبما يجعل من العسير إغواؤه من قبل الشيطان الرجيم وقبيله. لذا فإن الحصيف اللبيب من بني آدم لن يدخر وسعاً في تصدِّيه لهذه الكائنات الميتافيزيقية فيلتجئ دون تلكؤ أو إبطاء إلى الوحيد الذي بمقدوره أن يعينه عليها فيدفع عنه شرَّها الذي إن لم يتحصن بالله تعالى منه، كان عليه وجوباً أن يعاني من إغوائها وإضلالها وتزيينها، وبما ينجم عنه لا محالة، أن ينجرف بعيداً عن طريق الله تعالى إلى وهاد تفضي به لا محالة إلى الخلود في النار وبئس المصير.
