“ووضع الميزان”

بسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

004191cd7a20869a372d7ff7b7e64a4f1242567940.jpgتحدثت في أكثر من منشور عن ما أسميته بالاقتصاد الإلهي في الصرف والإنفاق على وقائع وأحداث الوجود، وبما يتجلى تقديراً منه تعالى دون هدر أو تقتير. وهذا الاقتصاد الإلهي المتجلي في الطبيعة وفق قوانين إلهية صارمة قد جعل ما يحدث فيها منضبطاً بهذه القوانين التي كان لها أن تجعل من وقائع الوجود وأحداثه تنطق بهذا الكمال الذي له أن يؤيد القول بوجوب وجود من كان لتدخله في هذه الوقائع والأحداث ما جعل منه واقعاً متجسداً. والاقتصاد الإلهي في الصرف والإنفاق هذا قد ورد ذكره في القرآن العظيم في سورة الرحمن عندما ذُكِر الميزان في الآية الكريمة 7 منها (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَان). فالميزان الإلهي هذا هو الذي به قدَّر الله تعالى إنفاقه الإلهي على وقائع وأحداث الوجود، فجاء الكل منضبطاً متزناً موزوناً وفق ما قضى به هذا الميزان. إن ميزان الله تعالى قد انضبط بمكياله عالمُ الطبيعة التي خُلقت طائعةً لله تعالى مطيعة، وبما جعل من كائناتها لا تحيد عن الضوابط الإلهية التي صاغ صارم محدِّداتها مكيالُ الله هذا. ولقد علَّمنا القرآن العظيم أن الله تعالى خلق كل شيء موزوناً بميزانه الإلهي (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُون) (19 الحجر). والله تعالى خلق كل شيء مقدَّراً موزوناً بقدَر، فلا زيادة ولا نقصان بل هو كمال التقدير الذي لا هدر فيه ولا تقتير (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (49 القمر)، (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) (23 المرسلات). إن تدبُّر الطبيعة بوسعه أن يجلي مدى انضباط ما يحدث للكائنات الحية فيها بميزان الرحمن عز وجل، وبما يؤكد أن القوانين الإلهية التي خُلقت لتطيعها هذه الطبيعة هي المسؤولة عن كل ما تتميز به من تناغم بين كائناتها، فلا يطغى كائن على آخر إذ لا ظلم فيها ولا جور. والتدبر في الطبيعة مفضٍ لا محالة إلى الحكم بأن هناك نظاماً صارماً تتقيد به كائناتها كلها جميعاً فلا نشوز ولا حيود عن هذه القوانين الصارمة. إلا أن الأمر يختلف كل الاختلاف إذا ما نحن تدبرنا عالم الإنسان الذي يضج بكل ما من شأنه أن يدلل على أن لا انضباط ولا تناغم هناك، بل هو التناشز البيّن والشذوذ الصارخ اللذان ما كانت الطبيعة لتسمح بهما لولا أن هناك ما أجبرها مكرهةً على تقبُّل هذا الذي يتناقض مع ما جُبلت عليه من إطاعةٍ مطلقةٍ لقوانين الله تعالى. إن الإنسان هو الكائن البايولوجي الوحيد الذي يخالف ما يقضي به الميزان الإلهي الذي انضبط به عالم الطبيعة بمفرداته كلها جميعاً. والمخالفة هذه قد كفلها للإنسان ربه عز وجل الذي محضه حق الاختيار إطاعةً لما يقضي به ميزان الله تعالى، أو عصياناً. والعبادة تصيِّر العابد مطيعاً لما يقضي به ميزان الله تعالى فتكون أقواله وأفعاله وأحواله موزونةً وفق مقتضياته الإلهية، مادام قلبه قد امتلأ بطاعةٍ لله تعالى لا تشوبها أية شائبة من شوائب الهوى التي تنضح من النفس البشرية. إن ميزان الله تعالى حقيقةٌ من حقائق هذا الوجود، وإن كنا عاجزين عن أن ننظر إلى الوجود فنرى كيف ينضبط وفق ما يقضي به هذا الميزان، فإن هذا لهو دليل على عيبٍ فينا تسبب به اختيارنا أن لا نتزن وفق ما يقضي به هذا الميزان.

أضف تعليق