بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يعلِّمنا القرآن العظيم أن رحمة الله تعالى وسعت كلَّ شيء. ويتوهم الكثيرون أنهم في حِلٍّ من الالتزام بوجوب التعبُّد لله مادام هو تعالى ذا رحمةٍ وسعت كلَّ شيء. ويبالغ هؤلاء في حسن الظن بهذه الرحمة الإلهية الواسعة حد التطاول على قرآن الله العظيم فتراهم يتجاسرون على الجزم بأن لا خلود هناك في نار جهنم، وأن اللهَ تعالى ما كان ليعذب الإنسان هذا العذاب المؤبد وهو الرب الرحمن الرحيم. وبذلك يكون هؤلاء قد فاتهم أن يدركوا أن الحقيقة لا سبيل للإحاطة بها إلا بالوقوع عليها بحذافيرها، وأن الحقائق المجتزئة والناقصة لا تصل بالمتشدقين بها إلا إلى الخلود في النار التي توهموا أنها ماخُلقت لتبقى مستعرةً أبد الآبدين! فرحمة الله الواسعة قد قيَّدها القرآن العظيم بمحدداتٍ فصَّلتها الآيتان الكريمتان 156-157 من سورة الأعراف تفصيلاً يتبين لنا بتدبُّره أنها رحمةٌ لن تُكتب إلا لفئة من البشر وصفتهم كلماتهما القرآنية الخالدة (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُون. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون).
ولقد جاءنا القرآن العظيم بخبرٍ آخر يخص رحمة الله الواسعة هذه في موطن آخر منه يتبين لنا بتدبُّره أنها رحمةٌ مقيدة بقيد الإيمان والعمل الصالح (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (7 غافر).
وبذلك يتبين لنا أن من يجتزئ الحقيقة لن يكون بوسعه أن يعرف ما هو كفيلٌ بالنجاة به إلى بر الأمان، وأن لا نجاة إلا لمن أحاط بالحقيقة كاملةً مكتملةً دون تنقيصٍ أو تبعيض.
