بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يستند كثير من رجال الدين إلى فهمٍ خاطئ لمصطلح “الحُكم” الذي ورد في القرآن العظيم بمعنى هو غير المعنى الذي يصرُّ عليه هؤلاء. وهذا الفهم الخاطئ مردُّه مقاربةٌ خاطئةٌ للقرآن العظيم بعربيةٍ هي ليست لغته المميِّزة له. فإذا كان “الحُكم” وفقاً لعربيتنا الدارجة هو كل ما له علاقة بالسلطة والرياسة، فإن “الحُكم” كما ورد في القرآن العظيم لا علاقة له على الإطلاق بهذا المعنى الذي تواضعنا عليه بعربيتنا الدارجة هذه. ولكن هذا النفر الضال من رجال الدين قد انشغلوا بحب الدنيا حتى ما عادَ بمقدورهم أن يتبيَّنوا المعاني القرآنية على ما هي عليه حقاً وحقيقةً. فكل ما يشغل بالهم هو الحكم بالمعنى المتعارَف عليه، والذي ينضح بكل ما هو ذو صلةٍ بما يجول في خاطرهم ويشغل بالهم من تطلُّع إلى الرياسة والسلطة. إن القرآن العظيم لم ينزله الله ليكون داعياً إلى غيره تعالى. والقرآن العظيم كتابُ دينٍ وآخرة لا كتابَ سياسةٍ ودنيا. والإسلامُ ما جاء به هذا القرآن ليكون الوسيلة التي يتوسَّلها كل من شغلت الدنيا قلبه ليقفز بها إلى سدة الحكم.
ونحن إذا ما تدبَّرنا القرآن العظيم بعينٍ تنظر إلى آياته الكريمة لتراها دون أفكارٍ مسبقة، فلن يكون عندها عسيراً علينا أن نتبيَّن أن معنى كلمة “الحكم” التي وردت في هذا القرآن، لا علاقة له بما درجنا على فهمه وفقاً لعربيتنا الدارجة. فالحكم في القرآن العظيم هو كل ما له علاقة بما أقرّه الله تعالى من أحكامٍ وتشريعات إلهية هي بالضرورة تتناقض مع أحكامنا البشرية المستندة إلى ما تقضي به النفسُ ويأمر به الهوى. فحُكم الله تعالى منزَّه عن كل ما له علاقة بسواه؛ فهو حكمٌ إلهي غيرُ بشري، وهو لذلك لن يكون منحازاً إلا للحق الذي تأباه النفس البشرية وتكرهه مادام هو يضطرها إلى ما يتناقض مع ما تحرص عليه من دوام الدوران في فلك الباطل.
لنتدبر بعضاً من الآيات القرآنية الكريمة التي يتبيَّن لنا بهذا التدبُّر لها أن كلمة “الحكم” الواردة فيها لا يمكن على الإطلاق أن تجيء متوافقةً مع “الحكم” الذي يصرُّ البعض من رجال الدين على اعتباره كل ما هو ذو صلةٍ بالسلطة والرياسة: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (62 الأنعام)، (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (70 القصص)، (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (88 القصص)، (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) (12 غافر).
غير أن هذا النفر الضال من رجال الدين بوسعهم أن يجادلوا بأن مفهومهم السياسي لكلمة “الحكم” القرآنية يدلل على صوابه ما جاء به القرآن العظيم من تقرير بأن الحكم هو لله تعالى، وبالمعنى الذي توهموا أنه يؤيد دعواهم بأنهم المؤهلون شرعاً ليحكموا البلاد والعباد. لنتدبر الآيات الكريمة التي وردت فيها عبارة “إن الحكمُ إلا لله”: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (57 الأنعام)، (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) (40 يوسف)، (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (67 يوسف).
إن تدبُّر هذه الآيات الكريمة مفضٍ لا محالة إلى نقض ما يقول به هؤلاء الضالون من رجال الدين، وذلك لأن معنى “إن الحكمُ إلا لله” الوارد فيها بالإمكان أن نتبيَّنه على أنه يدلل على وجوب الاحتكام إلى الله تعالى دون سواه من آلهةٍ ضرار عبدها الناس أصناماً وأوثاناً ظناً منهم أنها تهدي إلى الحق، وهي لا تملك أن تهدي إلى غير الباطل لو كانوا يعلمون.
لقد كان بوسع هذا النفر الضال من رجال الدين أن يتبيَّنوا المعنى الحقيقي للعبارة القرآنية الكريمة “إن الحكم إلا لله” لو أنهم لم يكونوا مشغولي البال والقلب بحب الرياسة والتطلع إلى السلطة. إن هذا القرآن لن يكشف عن معنى آياته الكريمة إلا لمن كان عقله وقلبه مشغولين بالله تعالى لا بغيره. والقرآن العظيم محجوبٌ عن أبصار من يُصرُّ على النظر إلى آياته الكريمة بعينٍ عليها من حجُب الدنيا ما عليها. فمتى يدرك هؤلاء الضالون أن القرآن العظيم لن يمكِّنهم من آياته الكريمة فيكون بمقدورهم أن يفقهوها ويتبيَّنوا معناها إلا إذا صلح القلب منهم بانشغاله التام بالله تعالى من بعد تحقق خلوه من الأغيار كائناً ما كانوا.
