بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لم ينعم اللهُ تعالى على أحد من خلْقه الذين نعرف قدر ما أنعم على الإنسان. فنحن إذا ما أنصفنا فلن يكون عسيراً علينا أن نتبين تجليات هذا الإنعام الإلهي الذي نعجز عن أن نحيط به على ما هو عليه حقاً وحقيقة. ونحن إذا ما تدبرنا الطبيعة من حوالينا، فإننا لن نجد فيها أحداً من كائناتها يرفل في نعماء كتلك التي يتنعم بها الإنسان. أنظر إلى طعام الإنسان وشرابه كيف نوَّعه الله تعالى صنوفاً وأنواعاً شتى. فالإنسان هو المخلوق البايولوجي الوحيد الذي ليس باليسير على الإطلاق أن تحصي قائمة طعامه وشرابه لفرط ما تتضمنه من مفردات. وانظر إلى كل ما جاد به الله على الإنسان من أمورٍ يسَّر له تعالى بها حياته. إن في كل ما تقدم الدليلَ القاطع بهذا الذي لا يمكن أن يوصف إلا بأنه “الدلال” الذي ما بعده دلال.
وإزاء كل هذا الإنعام الرباني، فإن الإنسان ما كان ليقابله إلا بما نعرف من جحود ونكران وصلا به حد الكفر بربه المنعم المفضال! فلو أن الإنسان لم يكن جحوداً ناكراً للفضل والإحسان لما استيسر مقابلة كل هذا الفضل الإلهي بهذا الجحود الذي تجلى في كفره بالله تعالى الذي علَّمنا قرآنه العظيم أن ليس بوسعنا أن نحصي نِعمه تعالى علينا إن نحن أردنا أن نعدها (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار) (34 إبراهيم)، (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (18 النحل).
وإذا كان الجحود هو ما يتميز به الإنسان، فالشكر لله تعالى هو واحدٌ من أبرز ما يتميز به عباد الله الصالحون الذين أنعم اللهُ تعالى عليهم بنعمة تبيُّن النِّعَم. فأعظم النِّعم التي ينعمها الله تعالى على عبده هي تلك التي تجعله قادراً على تبيُّن وإدراك النِّعَم فلا يفوته أن يشكر الله تعالى عليها، وهو يدرك أنه مدلَّل هذا الإله الرحمن الرحيم المفضال الكريم. وأنت إذا ما عجزت عن أن تسمع نفسك وهي تشكر لله على كل ما تتنعَّم أنت به من نِعمه تعالى، فإن في هذا العجز منك الدليل الذي يبرهن على أنك بعيدٌ كل البعد عن مقام العبودية الحقة لله تعالى، والتي كانت لو أنك تحققتَ بها لتجعل منك نعم العبد شاكراً أنعُم ربك عليك. أنظر إلى القرآن العظيم كيف يمتدح سيدنا إبراهيم عليه السلام (ِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (120-121 إبراهيم). وأنظر إلى نِعم العبد سيدنا داود عليه السلام كيف امتدحه وآلَه قرآنُ الله العظيم (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (من 13 سبأ).
إن الحكمة لتقضي بأن يلزم الواحدُ منا الشكر لله تعالى فيحرص على أن لا يفوته ما لهذه العبادة الجليلة من قدرة على الارتقاء به إلى مقامات لا وصول إليها إلا بالإعراض عن ما يتميز به الإنسان الكافر الجاحد المنكر لأنعُم الله تعالى. فلله تعالى الشكر الجزيل على نعمه الكثيرة التي لا تُحصى. ولله تعالى الحمد مدلِّل الإنسان مهما نسي وجحد.
