بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن الإنسان أنه قادرٌ على أن ينظر إلى الأشياء فيراها على ما هي عليه حقاً وحقيقة، وهو لا يدري أن هذا ليس بمقدوره طالما كان عقله ليس حراً كما يتوهم! فعقل الإنسان رهين أفكارٍ متسلطةٍ عليه تُسيِّره فتجعله ينظر إلى الأشياء فيراها كما تريد له هذه الأفكار المتسلطة أن يراها. وظنُّ الإنسان الحسِن هذا بعقله جرَّ عليه أفدح الويلات. فالعقل لا قدرةَ له على الإفلات من مُحكم قبضة ما يتسيَّد عليه من أفكارٍ هي بمثابة عقلٍ آخر فوقي يتسلط عليه ويتحكم في منظوره إلى ظواهر الوجود وأحداثه. ولم يستطع أن يفلت من سطوة هذا العقل الفوقي إلا نفرٌ قليل من البشر، فكان أن عادَ عليهم إفلاتهم هذا بكل ما من شأنه أن جعل منهم بشراً متفوقين ليسوا كالبشر الذين نعرف. أما السواد الأعظم من بني سيدنا آدم عليه السلام فهم، وبسببٍ من خضوعهم لسطوة هذا العقل الفوقي، غير قادرين على أن يقعوا على حقيقة الأشياء وقوعاً يجعلهم يفقهون ما يحدث دون أن تكون أحكامهم مبنيةً على غير ما تقول به هذه الأشياء. وبذلك لا يمكن على الإطلاق الركون إلى ما يجزم به هؤلاء، مادام قولهم هذا قد تأسس على أفكارٍ تقول عن قائلها أكثر بكثير مما تقول عن الأشياء التي يزعم قائلها أنه يقول بشأنها القول الحق! وهذا الحكم على الإنسان ليس بظالمٍ له مادام هذا الإنسان هو الذي سبق فظلم الأشياء ظلمه لنفسه.
وكمثالٍ على هذا الظلم، لنتدبَّر نظرة الكثير من أهل هذا الزمان إلى طعامهم. فلأسبابٍ لا يريدون أن يخوضوا في تأثيلٍ وتأصيلٍ لها يجعلها تظهر بوجهها الحقيقي، يُعرض هؤلاء عن أكل اللحوم ويُقبلون على التهام ما يظنون أنه الطعام الأجدر بالإنسان أن يتناوله زاعمين أن الأمر ذو مسيس صلةٍ بالصحة المثالية عقليةً وبدنية! وتراهم يعللون لإحجامهم عن أكل اللحوم بأسبابٍ يظنون أنها تجعلهم أصحابَ منظورٍ فلسفي حتَّم عليهم هذا الإحجام! فالإنسان وفقاً لمنظورهم الفلسفي المزعوم هذا، لا ينبغي له أن يأكل لحم الحيوان مادام الإثنان يتشاركان روحاً واحدة! ويذهب الكثير من هؤلاء مذاهب شتى في التعليل لهذا الذي يجعلهم لا يقتاتون إلا على ما هو نباتي من الطعام، وهم لو أنصفوا لأرجعوا الأمر إلى أصله ذي الصلة بمذاهب أهل الشرق الأقصى الذين لا قدرةَ لهم على تقبُّل الواقع دون أن يخالطوه بمبدأ تناسخ الأرواح الذي هو عندهم المذهب الوحيد القادر على التعليل للظاهرة الإنسانية.
لقد فات هؤلاء كلهم جميعاً أن النظرة الصائبة إلى الأمور تستوجب أن نتذكر أن الإنسان لم يتخلَّق هكذا من عدمٍ ولا هو هبط من الفضاء من بُعدٍ ميتافيزيقي لا علاقةَ له بهذا الواقع! فالإنسان سليلُ الحيوان، وهما من أصلٍ طبيعي واحد يحتِّم عليهما أن يكون مأكلُهما “طبيعياً” دون غلوٍّ أو تنطُّع! فالإنسان إذ يأكل لحم الحيوان، فإنه يفعل ما دأب الحيوان على فعله طيلة ملايين السنين. فالحيوان يقتات على الحيوان، وهذه سُنة الطبيعة التي حكمت على كائناتها بالتقيُّد بقوانين البقاء التي توجب عليهم أن يقتاتَ بعضُهم على بعض. ولكن الإنسان لا يرضى أن يتقبَّل الأمورَ إلا بأن يخالطها بتوابله ومطيِّباته ومنكِّهاته التي إن كان لها أن تجعل من طعامه لذيذاً مستساغاً، فإنها لن تجعل من حُكمه على الأشياء، وقد خالطها ما ليس منها، إلا حُكماً جائراً ظالماً لن يجعله يقع على حقيقتها أبداً.
إن الطبيعةَ التي يزعم عشاقُها أنهم يريدون منا أن نسمع لهم ونصدِّق ما يقولون بشأنها، حتى نكون “طبيعيين” مثلهم، هي ليست كما يظنون خضراء نباتية، مادام من كائناتِها “الطبيعية” ما لا عيشَ له إلا بتغذِّيه على غيره افتراساً بالأنياب والمخالب التي تقطر دماً أحمر! فالطبيعة خضراءُ مادامت نباتاتها خضراء، وهي أيضاً حمراء مادامت حيواناتُها لا عيش لها إلا بأن يريقَ بعضُها دمَ بعض! إن إصرار الإنسان على النظر إلى الطبيعة بعينٍ لا تراها على ما هي عليه لن يجعله “طبيعياً”! فـ “الطبيعي” هو من أصر على أن لا تكون نظرتُه إلى الطبيعة إلا بعينٍ تراها كما هي دون إضافةٍ منه أو طرح.
