بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
انتقدتُ في منشوراتٍ سابقة “الإعجاز العلمي للقرآن”. ولقد بيَّنتُ حينها أن هناك خطأ تصميمياً فادحاً في صياغة ونحت هذا المصطلح، وفق ما تقضي به الذائقة السليمة للغة العربية. فوفقاً لمقتضيات هذه اللغة المباركة، فإن هذا المصطلح يعني أن العلم يُعجز القرآن العظيم فلا يستطيع أن يلحق به مواكبةً لمستجداته من جديد اكتشافٍ واختراع! وهذا يتناقض بالتمام والكلية مع ما كان يقصد إليه صائغو هذا المصطلح. فما كان يجول في خاطر هؤلاء أن القرآن العظيم قد سبق ما جاء به العلم من نظريات ومكتشفات وأن في هذا إعجازاً يُحسب لهذا القرآن. وبغض النظر عن هذا الذي كان من وراء صياغتهم لهذا المصطلح، فإن هذه الصياغة يعتورها خطأ جسيم لابد من تفصيله وتبيين ما انطوى عليه من إساءة، لا أخالها مقصودة، لهذا القرآن. فالقرآن العظيم وفقاً لما ينبغي أن يُفهم من مصطلح “الإعجاز العلمي للقرآن”، عاجزٌ عن أن يواكب العلم بجديده ومستجده فلا يستطيع أن يستوعبه بالتعليل والتفسير وفق ما تقضي به آياتُه الكريمة من أن الله تعالى هو الفاعل الحقيقي في هذا الوجود، وأن كل ما يحدث فيه إنما يستمد منه تعالى الطاقة والقوة والمدد كيما يتسنى له الوجود والحدوث. وبذلك فإن العلم يُعجز القرآن العظيم، الذي تزعم آياته أنه قد أنزله الله تبياناً لكل شيء. وهذا بكل تأكيد ما كان ليخطر على الإطلاق ببال من فرح بما خُيِّل إليه أنه نصرٌ للإسلام بهذا الإعجاز المزعوم!
لقد آن الأوان لنتخلى عن هذا المصطلح الفاشل بمعنى الكلمة، مادامت اللغة العربية تقضي بخلاف ما يتوهم من صاغه وروَّج له وآمن به. ولقد كنت تحدثت في منشورات سابقة عن مصطلحٍ آخر له أن يعبّر عن أصل الفكرة التي جالت ببال مَن صاغ مصطلح “الإعجاز العلمي للقرآن”. وهذا المصطلح هو “التفوق المعرفي للقرآن العظيم”. فهذا المصطلح يكشف عن حقيقةٍ بالإمكان أن نجيء بكل ما هو كفيلٌ بأن يبرهن عليها. وهذا موضوع آخر.
لنعد الآن إلى “الإعجاز العلمي للقرآن”. فلقد أبان اللهُ تعالى في قرآنه العظيم عن جوانب من الحقيقة الإلهية بوسعنا أن نقع عليها بتدبُّرنا الآيات الكريمة التالية: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) (من 44 فاطر)، (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُون) (59 الأنفال)، (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (51 الحج)، (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) (38 سبأ)، (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ) (5 سبأ)، (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِير) (57 النور).
يتبيّن لنا بتدبر هذه الآيات الكريمة أن القرآن العظيم قد أبان عن جانبٍ من الحقيقة الإلهية بموجبه لن يكون هناك في هذا الوجود مَن بوسعه أن يُعجز الله تعالى. وهذا ينطبق بكل تأكيد على العلم الذي أبداً لن يكون بمقدوره أن يُعجز اللهَ تعالى، أو أن يُعجز قرآنه العظيم الذي وحده يملك أن يقول القول الفصل بخصوص كل ما يحدث في هذا الوجود؛ فإن وافق العلمُ ما يقوله هذا القرآن فقد أصاب، وإن خالفه فقد أخطأ ولا مناص من لزوم فصل الخطاب هذا حتى وإن غضب مناصرو العلم من مؤلِّهي الإنسان والمتعبدين لنفسه الجهولة الحرون!
إن مَن بوسعه أن يُعجِز الآخر فيرهقه فلا يستطيع أن يلحق به مواكبةً ومتابعة هو هذا القرآن وليس العلم. فالقرآن العظيم يقدّم تصوراً للوجود بظواهره وأحداثه مخالِفاً لما يقول به العلم. فوفقاً لهذا القرآن، فإن الله تعالى هو الذي لولاه ما كان لشيء أن يوجد ولا لحدث أن يحدث في هذا الوجود. وما قوانين العلم التي يباهي بها العلماءُ إلا سنن الله تعالى التي خلقها لينضبط بها هذا الوجود. والعلماء ما عرفوا من هذه السنن الإلهية إلا نزراً يسيراً قليلاً خُيِّل إليهم معه أنهم قادرون على أن يفقهوا كل ما يحدث في هذا الوجود بالرجوع إلى هذه السُّنن التي قالوا عنها إنها القوانين التي لا يُتصوَّر أن يكون هناك ما له أن ينضاف إليها فتتغير بالتالي نظرتهم إلى هذا الوجود الذي استقر عندهم على هذا النزر اليسير من سنن الله تعالى التي توهَّموها القوانين النهائية الناجزة. وهذا الفشل من جانب العلماء في الوقوع على غير ما تسنى لهم الوقوع عليه من سنن الله تعالى في هذا الوجود، هو الذي جعلهم لا يصدِّقون أن هناك ظواهر بمستطاعها أن تخرق البنيان المعرفي الزائف الذي شيَّدوه استناداً إلى ذاك النزر اليسير من سنن الله تعالى التي وقعوا عليها وتوهموا أنها كل ما في الوجود من قوانين!
إن هذا القرآن حافلٌ بكل ما من شأنه أن يُعجز العلم فلا يستطيع أن يواكب ما جاءت به آياته الكريمة من ذكرٍ للكثير من خوارق العادات التي أجراها الله تعالى معجزاتٍ على أيدي مَن اختصَّهم بالنبوة والرسالة والولاية. وهذه الظواهر القرآنية كلها جميعاً تُعجز العلم الذي أبداً لن يكون بوسعه أن يستوعبها بالتفسير والتعليل داخل بنيانه المعرفي الذي شيَّده باجتزاء بعضاً من ظواهر الوجود قُدِّر له أن يجد له ما ظن أنه “التفسير العلمي” و”التعليل العقلاني”!
كما أن هذا القرآن العظيم حافلٌ بذكر كائنات لا يمكن للعلم أن يكون بمقدوره أن يقبل بها مادام الإقرار بوجودها يناقض ذاك النزر اليسير من سنن الله تعالى التي صيَّرها العلم قوانين الوجود، كل الوجود. فالقرآن العظيم يُعجز العلم بحديثه عن الملائكة والجن، وهي كائنات غيبية لا وجود لها وفق منظور العلم المستند إلى قوانين الوجود التي توهَّم أنها كل ما في الوجود من قوانين. كما أن القرآن العظيم كتاب آخرة جاءت آياته الكريمة بتفصيل مُسهَب لما سيحدث فيها من بعث ونشور وحساب وخلود في النار أو في الجنة. وهذا الذي ذكرته آيات الله تعالى في القرآن العظيم ليُعجز العلم الذي لن يكون أبداً بمستطاعه أن يعلل لما تقتضيه ظواهر الآخرة وتقضي به من خرق واضح بيِّن لكل ما توهَّم العلم أنها قوانين الوجود التي لا يمكن أن يخرقها شيء!
إذاً، وبعد هذه العجالة مما بوسعه أن يُعجز العلم تفسيراً وتعليلاً، أفلا يحق لنا أن نقول إن القرآن العظيم هو الذي أعجز العلم، وأننا لو أنصفنا لقلنا بأن الإعجاز الحقيقي هو الإعجاز القرآني للعلم وليس العكس.
