بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
الناسُ فريقان: أهل دنيا وأهل آخرة. ولقد فصَّل قرآن الله العظيم صفاتٍ لأهل الدنيا بيَّنتها جليةً آياتٌ كريمة فيه كثيرة، منها:
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (20 الحديد)، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (32 الأنعام)، (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر. حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (1-2 التكاثر)، (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (14 آل عمران).
يتبيَّن لنا بتدبُّر هذه الآيات الكريمة أن أهل الدنيا يتميزون عن أهل الآخرة بهذا الذي يجعل دأبهم التفاخر بما آتاهم الله من مالٍ وبنين ومقتنيات تكاثراً بينهم أيهم أكثر حيازةً لما يسيل له اللعاب من حطام هذه الدنيا وزخرفها. وأهل الدنيا، إذ هذا هو دأبهم، فإنهم يتنافسون فيما بينهم إظهاراً لكل ما من شأنه أن يُظهر ما هم عليه من نعمةٍ تجعلهم الأفضل، مادام المعيار الذي يُحتكم إليه هو هذه الدنيا وما جادت به على أهلها. وحتى تكون أنت من أهلها، فلابد لك من أن تسعى سعيهم فيكون بمقدورك أن تباهي بما عندك علَّه أن يكون متفوقاً على ما عند غيرك. وهذا الحرص منك على التفاخر والتباهي والتكاثر دليل وبرهان انصراف القلب منك عن الانشغال بما يؤهلك لتكون أهلاً للآخرة مؤهلاً لجنتها بعيداً عن نارها. وهذا أمرٌ جليلٌ لا قدرةَ لأحدٍ على استحقاقه ما لم تصح منه النية في أن يكون عمله خالصاً لوجه الله تعالى، مبرَّأ من كل ما يشوب الأعمال من شوائب النفس والهوى. فأهل الآخرة لا شغل لهم بهذه الدنيا التي اجتذبت إليها من لا هَم لهم إلا الخوض في سفاسفها وترَّهاتها. وأهل الآخرة تعرفهم بسيماهم التي تمايزوا بها عن أهل الدنيا انصرافاً عن التفاخر والتكاثر والتباهي. فهم وإن أنعم الله تعالى عليهم بخيرٍ مما أنعم على غيرهم من أهل الدنيا، فإنهم لا يباهون بما آتاهم الله من فضله ولا يفاخرون. وما ذلك إلا لأنهم قد أيقنوا تمام الإيقان إن ما أوتوه من عظيم فضلٍ من لدنه تعالى إنما هو فتنةٌ وابتلاء يستوجبان الشكر لله تعالى انشغالاً به عن ما ينشغل به أهل الدنيا من تفاخرٍ وتكاثرٍ في الأموال والأولاد وغير ذلك مما يُتباهى به عادةً.
فإذا أردتَ أن تتبيَّن إن كنتَ من أصحاب الآخرة، فعليك بقلبك تتفحَّصه، فإن وجدت فيه ميلاً، ولو بمقدار شعرة، إلى الدنيا تباهياً وتفاخراً وتكاثراً ببهرجها وزخرفها، فأنت من أهلها، وبالتالي فلن تكون أبداً من أهل الآخرة الذين لا سبيل للدنيا إلى قلوبهم المنشغلة عنها بالخوف من نار الآخرة وجحيمها.
