بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
هل حقاً تطور الإنسان فأصبح متحضراً متمدناً كما يريدنا أن نصدق ذلك علماء الاجتماع؟ أم أن إنسان القرن الحادي والعشرين هو ذاته إنسان الكهف الذي جاب الأرضَ قبل آلاف السنين؟ إن نظرةً متأنيةً متمهِّلةً تتدبر واقع حال إنسان هذا الزمان بوسعها أن تكشف حقيقتَه الكامنة تحت قشرته التي توهم أنها كل ما هنالك، وأن ليس تحتها إلا ما هو متوافق معها. فحقيقة الإنسان في كل زمانٍ ومكان واحدة. وأنت لن تحتاج أكثر من الظروف المناسبة حتى يكشف لك إنسان هذا الزمان عن وجهه الحقيقي غير المختلف على الإطلاق عن وجه جدِّه إنسان الكهف. فإذا ما توفر الظرف الضاغط المناسب، فإن مَن كنتَ تحسبه إنساناً متحضراً سوف يفاجؤك بتصرفاتٍ لا يمكن أن يُتوقَّع صدورها إلا من إنسانٍ بدائي! وهذا برهانك على أن الإنسان لا يمكن على الإطلاق أن يُفقَه بدلالة ما انطوى عليه من بُنيةٍ بايولوجية-سايكولوجية، وأن هناك كياناً بدائياً قابعاً داخلاً منه يتحيَّن الفرصة ليستحوذ عليه فيتملَّكه ويسيِّره حيث يشاء. وهذا الكيان البدائي هو ما يشير إليه المتصوفة بأنه “النفس”. فلو كان الإنسان خلواً من هذه “النفس”، لأصبح بمقدوره أن يكون متحضراً متمدناً بعد كل هذه الآلاف من السنين التي استغرقتها البشرية تشذيباً وتهذيباً لتصرفاته وسلوكه!
إن الإنسان مازال على حاله الذي كان عليه عندما كان قابعاً في الكهوف دون مدنية أو حضارة. فما تغيَّر في الإنسان لا يعدو أن يكون ثقافةً ليس لها أن تغير من “نفسه” شيئاً. وكل من يظن أن الثقافة بوسعها أن تغير من الإنسان فتجعله متحضراً متمدناً، فإنه يرزح تحت وهم كبير. فيكفيك أن تتذكر ما بوسع الإنسان المتحضر المتمدن أن يقوم به من أعمالٍ يندى لها الجبين، إذا ما أنت عرَّضته لضغوطٍ تجعل نفسه تستحوذ عليه فتُظهِر وجهه الحقيقي الذي كان متوارياً من وراء قناع التمدن والتحضر الزائفين!
إن كل محاولةٍ لتهذيب وتشذيب أخلاق الإنسان عبر التعليم والتثقيف لن يُكتب لها النجاح على الإطلاق. والتاريخ يشهد بأن الإنسانية المتحضرة المتمدنة قادرةٌ على اقتراف أبشع الجرائم والمجازر إذا ما توفرت الظروف الضاغطة الكفيلة بإسقاط الأقنعة الزائفة التي توهم الإنسان أنها وجهه الحقيقي المتفجّر طيبةً ودماثة خلق و”إنسانية”!
إن من بمقدوره أن يهذِّب ويشذِّب الإنسان، فيجعل من المستحيل عليه أن يُسلم قياده للوحش القابع داخلاً منه، هو التصوف الذي وحده بمستطاعه أن يُبقي هذا الوحش أسيراً مقيداً، وعاجزاً بالتالي عن الاستحواذ عليه، وبما يجعل منه يوجهه كيف يشاء. فالتصوف قادرٌ على أن يتوغل إلى تلك الأعماق السحيقة داخل الإنسان، والتي يقبع فيها متوارياً هذا الوحش تحت طبقاتٍ متراصة من الأوهام التي جعلتنا نصدِّق أن الحضارة والمدنية قادرتان على تثقيفنا، وبما يتكفل بجعلنا كائناتٍ متحضرةً متمدنة لا قدرةَ لها على أن تستنسخ ما كان جدها إنسان الكهف يقوم به من عدوانٍ ظالمٍ إفساداً في الأرض وسفكاً للدماء. وإذ هو قادرٌ على التوغل إلى هذه الأعماق، فإن التصوف بوسعه أيضاً أن يحولَ دون أن يصبح الإنسان ألعوبةً بيد هذا الوحش، بل أن بمقدوره أن يروِّضه ويطوِّعه حتى يجعل منه عوناً خديماً له يعينه على فعل الخير والصواب.
إن التصوف، وإن كان دواءً عتيقاً، فإنه العلاج الشافي الوحيد الذي بوسع إنسان هذا الزمان أن يتداوى به فيصبح بحق إنساناً خالصاً من كل تأثيرٍ لماضيه السحيق الذي لا يمكن لبضعة أعوامٍ من التعليم والثقافة أن تذهب به أدراج الرياح!
