بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
الهيِّن على الله هو السهل اليسير. ولقد وردت الكلمة القرآنية الكريمة “هيِّن” مرتين في قرآن الله العظيم، وذلك في الآيتين الكريمتين 9 و21 من سورة السيدة مريم عليها السلام (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)، (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا).
أما الكلمة القرآنية الكريمة “أهون”، فقد وردت مرة واحدة في قرآن الله العظيم وذلك في الآية الكريمة 27 من سورة الروم (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ).
وإذا كان من الهيِّن علينا أن نتبين بتدبُّر الكلمة القرآنية الكريمة “هيِّن” لماذا كان من السهل واليسير على الله تعالى أن يهب سيدنا زكريا عليه السلام إبناً، وأن يهب السيدة مريم عليها السلام إبناً، فهل هو أيضاً هيِّن علينا تبيُّن ما يقصد إليه القرآن العظيم بقوله إن إعادة الله تعالى الخلق أهون عليه من بدئه؟
إن الإجابة على هذا السؤال يعين عليها تذكر ما ذكره هذا القرآن بشأن “التمايز الخَلْقي” بين الخلق الإلهي للإنسان وخلق الله تعالى السموات والأرض. تدبَّر الآية الكريمة 57 من سورة غافر (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون). فهنا أيضاً يتبيِّن لنا جلياً أن بالإمكان أن نقول إن خلق الإنسان أهون على الله من خلقه تعالى السموات والأرض.
وإذا ما نحن شرعنا في البحث عن إجابة تُعين على فهم الكيفية التي تجعل هذا التمايز مفهوماً لدينا، فإنه يتوجب علينا بدايةً أن نتخلى عن كل تنطُّع وغلو في التقديس لله تعالى! فها هو الله تعالى بلسان قرآنه العظيم يقرر بأن هناك خلقاً هو أهون عليه من خلق. فلماذا التنطُّع إذاً؟! هذا بدايةً. والآن، إذا ما نحن تذكرنا ما كنت قد ذكرته في منشورات سابقة بخصوص الحقيقة الإلهية، فإن الخلق الإلهي لـ “المادة الأولى” التي تسلسل منها خلق السموات والأرض كان لا يتطلب إلا تفاعلاً من لدن المادة الإلهية ليس أكثر. أما الخلق الإلهي لما تلا “المادة الأولى” تلك، فلقد تطلب أكثر بكثير من مجرد تفاعلٍ من لدن المادة الإلهية. وهذه أمور لابد من التريُّث فيها عوض التعجلُّ في إطلاق الأحكام المستندة إلى ما أشرت إليه من تنطُّع ومغالاة في التقديس لله تعالى. وكذلك هو الحال مع إعادة الله تعالى الخلق يوم القيامة. فإعادة الخلق هذه هي أهون على الله تعالى من بدئه مادامت هذه الإعادة لا تتطلب إلا تفاعلاً بين مادةٍ تقدَّم خلقها على الخلق الإلهي لـ “المادة الأولى”.
إن ما يُحسب لهذا القرآن العظيم هو تقريره بأن الله إذ هو قادرٌ على كل شيء، فإن هناك تمايزاً بين قدراته الإلهية يجعل من خلقٍ أهون عليه تعالى من خلق. وهذا عندي دليل على إلهية القرآن العظيم، الذي لو كان من عند غير الله لما وجدت فيه هذا التمايز الذي قد يخاله الجُهال قدحاً في قدراته تعالى.
