بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كلٌّ يدَّعي معرفةً بحقيقة الإنسان لن تجدها عند غيره! وهذا ليس بالمستغرب مادمنا كلنا جميعاً لا نفرح بشيء فرَحَنا بعقلنا الذي لا نريد أن نصدق أنه غير اسثنائي، وبما يجعل منه أعظم العقول التي قُدِّر لأحدهم أن يحملها داخلاً من رأسه! إلا أن من بوسعه أن يُلزمك نظرته إلى الإنسان فتشاركه إياها، يتوجب عليه بدايةً أن يقارب هذا الإنسان مقاربةً تتيح لك، إن إنت لزمتها، أن تنظر إليه فتراه على ما هو عليه حقاً وحقيقة دون طرحٍ أو إضافة، وتجعلك قادراً على أن تصف له علاجاً بوسعه أن يداوي ما هو لابد أن يعاني منه جراء كونه إنساناً. وإن أنت جرَّبت كل مقاربةٍ تسنى لعقل الإنسان أن يقدمها تعريفاً للحقيقة الإنسانية، فلن يكون بمستطاعك أبداً أن تقنع بما كان بمقدور هذا العقل أن يجود به من تصور لهذه الحقيقة. وما ذلك إلا لأن كل تصوُّر عقلاني للحقيقة الإنسانية لن يكون بمقدوره على الإطلاق أن يقع عليها بحذافيرها مادامت هذه الحقيقة تضرب بجذورها عميقاً في أكثر من واقع يعجز العقل عن الإحاطة المعرفية به. فعقلنا البشري محدَّد بهذا الواقع فلا قدرةَ له بالتالي على تجاوزه إلى واقعٍ آخر متناقضٍ معه بسببٍ مما تمليه المحدِّدات الزمانية والمكانية. لذلك فإن مَن بوسعه أن يعينك على معرفة الحقيقة الإنسانية بحذافيرها هو مَن كان حاضراً خلال مسيرة نشوئها وتطورها وتشكُّلها من مادة كل واقع كان لها أن تضرب بجذورها عميقاً فيه. وهذا الحاضرُ في ماضي الإنسان، بكل تفاصيله وحيثياته، لا يمكن أن يكون إلا مَن خلق الإنسان وجعله يترقى في تطورٍ متلاحقٍ مستمر منذ البدايات الطينية وحتى ولادة آدم في أحسن تقويم. وهو أيضاً من كان حاضراً بعد “الردة” التي جلبها آدم على ذريته بأكله من الشجرة المحرمة.
إن هذا الحضور الإلهي إن كان قد فاتنا أن نكون شهوداً عليه، فإن بمقدورنا أن نشهد على ما جاء به قرآن الله العظيم من ذكرٍ لما نعجز عن الشهادة عليه حضوراً مادام ما يفصل بيننا وبين زمان حدوثه ملايين السنين حيناً وآلافاً من السنين أحياناً أخرى. فهذا القرآن قد جاء فيه ما نستطيع أن نصيغ بوساطةٍ منه تصوراً للحقيقة الإنسانية وهي تتشكل في ماضيها الغابر السحيق. وبموجب هذا التصور، فإننا لن نعجز عن تبيُّن ما كان لماضي الإنسان من جذور حيوانية فرضها عليه نشوؤه وارتقاؤه من طين هذه الأرض، وأخرى نباتية فُرضت عليه بأكل أبويه من الشجرة المحرَّمة. وبذلك تتجلى أمام أعيننا ناصعةً جلية حقيقةُ هذا الإنسان مزدوج الماضي. فالحقيقة الإنسانية إذاً هي حقيقة الإنسان الذي للحيوان فيه ما صيَّره ما كان عليه قبل أن يصيِّره اللهُ آدماً، والذي للنبات أيضاً فيه ما جعله يرتد أسفل سافلين بأكل آدم من الشجرة المحرمة.
إن أية نظرةٍ إلى الإنسان تغفل عن رؤيته بماضيه الحيواني-النباتي هذا، لن يكون بمقدورها أن تراه على ما هو عليه حقاً وحقيقةً، كياناً فريداً من نوعه اجتمعت فيه من المتناقضات ما لا سبيل إلى التوفيق بينها، إلا إذا ما اتخذ هذا الإنسان سبيلاً له كفيلاً بجعله كياناً موحَّداً بتوحيده لخالقه عز وجل، توحيداً يقتضي منه تمام الانضباط بضوابط المنهج الرباني الذي تلقَّاه آدم من ربِّه كلماتٍ تاب بها عليه، وكانت هي السبيل ليتوبَ اللهُ تعالى على مَن شاء أن يتلقاها من ذريته سالكاً هذا السبيل.
