بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ذكرتُ في المنشور السابق أن لا طريقَ يستحق منك انصرافك إليه بالتمام والكلية بقلبك وروحك غير الطريق إلى مستقبلٍ جديد ليس له أن يجيء نسخةً مكررةً من حاضرك وماضيك. والطريق إلى هذا المستقبل الجديد، المغاير لمستقبلك الذي كنتَ متجهاً إليه رغم أنفك، يتطلب منك أن تكون قادراً على أن تنظر إلى الأشياء فتراها لا كما يراها السواد الأعظم من البشر الذين لا قدرةَ لهم على أن يروا الواقعَ بعينين تنظر الواحدة منهما إلى الماضي لترى ما ينبغي عليها أن تتجنبه مما هو كفيلٌ بالإضرار بك، بينما تنظر الأخرى إلى المستقبل لترى إن كنت قد تجنبت في حاضرك حقاً ما أشارت عليك الأخرى بتجنُّبه.
إن هذه النظرة المزدوجة إلى ماضيك ومستقبلك، كفيلةٌ بجعلك تعيش حاضرك لا كما يعيشه معظم البشر. فأنت بهاتين العينين، اللتين تنظران في اتجاهين مختلفين من الزمان، قادرٌ على أن تصيغ لك مستقبلاً جديداً لن يكون نسخةً طبق الأصل من ماضيك وحاضرك. وهذا يتطلب منك إجهاداً لوعيك غير مسبوق، مما قد يجعلك تستيئس فتعود القهقرى إلى ما كنت عليه قبل شروعك بالسير على الطريق إلى مستقبلك الجديد. وهنا يجيؤك المدد فيعينك على ما أنت عليه من مجاهدةٍ لنفسك التي قسرتها على السير على طريق الله تعالى منضبطاً ما استطعتَ بضوابطه الإلهية التي وحدها بمقدورها أن تتكفل بجعلك ذا قدرةٍ على إلزام وعيك بالنظر بعينٍ إلى الماضي وأخرى إلى المستقبل. إن التصوف هو ما بوسعه أن يؤمِّن لك كل ما أنت بحاجةٍ إليه لتسلك الطريق إلى مستقبل جديد مادام هذا السلوك هو مما يتمخَّض عنه سيرُك على طريق الله تعالى.
