رؤوس الشياطين

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

يعلِّمنا القرآن العظيم أن الله تعالى خلق الجن من نار السَّموم، وهم بذلك مخلوقون خلقاً آخر غير هذا الذي نعرف من تجليات الحياة العاقلة خلقاً بايولوجياً أصله الماء. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُوم) (26-27 الحجر)، (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) (من 45 النور)، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (من 30 الأنبياء). وهذه الخِلقة من نار السَّموم ليس لنا أن نخوض في حيثياتها وكيفيتها مادام قرآن الله العظيم لم يفصِّل فيها حتى يكون لنا ذلك. فيكفينا أن نعلم أن الجن قد خُلقوا قبل الإنس، وأنهم مخلوقون لعبادته تعالى أيضاً (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات).

ولقد علَّمنا القرآن العظيم عن الجن الكثير مما لن نكن لنعلمه لولا ما جاءتنا به آياته الكريمة بخصوصهم. فقد جاء عنهم في سورة الأحقاف: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(31)وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(32)). كما وذُكرت الجن في سورة تحمل إسمهم في آياتها الكريمة التالية: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1)يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا(2)وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا(3)وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا(4)وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(6)وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا(7)وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(8)وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا(9)وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا(10)وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا(12)وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا(14)وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا(15)وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا(19)).

وبذلك فلقد علِمنا أن من الجن مَن هم قاسطون كافرون كما أن من الإنس كافرين. وقاسطو الجن هم مَن أشار إليهم قرآن الله العظيم في مواطن كثيرة، منها: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (من 27 الأعراف)، وكذلك (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (من 50 الكهف)، وكذلك (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) (من 64 الإسراء)، وكذلك (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُون. وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُون) (94-95 الشعراء).

كما وجاء في القرآن العظيم في وصف شجرة الزقوم أنها شجرةٌ ثمارها كرؤوس الشياطين (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِين) (64-65 الصافات). وهذا التوصيف القرآني الدقيق يُحيلنا إلى أمرٍ لابد من التفصيل فيه. فالجن، وإن كانوا قد خُلقوا من نارٍ صيَّرتهم كائناتٍ غير مرئية، فإنهم قد أوتوا المقدرةَ على أن يتشكَّلوا في صورةٍ بمقدور الإنسان أن ينظر إليها فيراها. ولقد تمايزت الجن في مقدرتهم على هذا التشكُّل؛ فالصالحون منهم بمقدورهم أن يتشكَّلوا فيتمثلوا لنا بشراً أسوياء، وأما القاسطون منهم فلم يُأتوا من المقدرة إلا ما يتيح لهم أن يتشكَّلوا فيتمثَّلوا لنا كائناتٍ برؤوسٍ مرعبة لا يمكن لخيالنا أن يتصوَّر ما يدانيها قبحاً وبشاعة. وبذلك تسقط داحضةً كلُّ الروايات الخيالية التي يزعم أصحابها أنهم رؤوا جناً قاسطين بصورةٍ تُظهرهم برؤوسٍ كرؤوس البشر. فالجن الصالحون وحدهم أوتوا المقدرة على أن يتمثلوا فيتصوروا بصورة البشر الأسوياء، شأنهم في ذلك شأن الملائكة الكرام عليهم السلام الذين أوتوا المقدرةَ على أن يتمثَّلوا لنا بشراً أسوياء (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) (من 17 مريم). والروح هنا هو حضرة سيدنا جبريل روح القدس، روح الله الأمين، عليه السلام.

خلاصة القول وقصاراه: إن كل ما جاءت به ميثولوجيات الشعوب، قديمها وحديثها، من قصصٍ تطرَّقت إلى الحديث عن مقدرة أشرار الجن على التمثُّل بصور بشرٍ أسوياء، ما هي إلا محضُ مزاعم لا أساس لها من الصحة مادام هؤلاء لم يُأتوا هكذا مقدرة تُمكِّنهم من أن يظهروا لنا بصورةٍ غير ما أشارَ إليها القرآن العظيم في حديثه عن رؤوس الشياطين.

أضف تعليق