نفخة الصور و”كن فيكون”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كن فيكونوردت كلمة “الصُّور” عشر مرات في القرآن العظيم:

(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (73 الأنعام)، (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) (99 الكهف)، (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) (102 طه)، (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُون) (101 المؤمنون)، (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ() (87 النمل)، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) (51 يس)، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) (68 الزمر)، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) (20 ق)، (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَة. وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً) (13-14 الحاقة)، (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) (18 النبأ).

والصُّور لا ينبغي لنا أن نتصوَّره فنتوهم أن له وجوداً حقيقياً كما هو حقيقي وجود كل “موجود” من موجودات السموات والأرض. فالصُّور شأنه شأن الكرسي والعرش لا ينبغي أن نظن أنها من المخلوقات والموجودات. وهذا لا ينبغي أن يجعلك تسارع إلى اتهامي بما ليس عندك دليلٌ عليه غير هذا الذي تظن أنه قد  استقر عندك من علمٍ بخصوص هذه الكلمات. فهذه كلماتٌ قرآنيةٌ كريمة ليس لها من مقابلٍ موضوعي. وهي في هذا لا تختلف في شيءٍ، بهذا الشأن، عن كلماتٍ قرآنيةٍ كريمةٍ أخرى ذات صلةٍ بالله تعالى من مثل: أعين الله، أيدي الله، ساق الله، يد الله. فاللهُ تعالى بكل تأكيد لا يمكن أن يُتصوَّر أن له ما تقدم.

والصُّور يكفينا أن نعلم عنه أنه يُمثِّل ما سيحدث لهذا الوجود إذ يتلقَّى كل موجود فيه صرخةَ “كُن” فيزول هذا الوجود بزوال كل موجود منهاراً تحت وطأة هذه الكلمة الإلهية المقدسة. كما ويكفينا أن نعلم عن الصُّور أيضاً أنه يمثِّل ما سيحدث إذ سينبثق من “ما زال إليه الوجود” وجودٌ آخر بكلمة “كن” أخرى. وهذا الوجود الآخر هو عالَم الآخرة بنارهِ وجنَّته وما ستحويهما.

وهذا ما أشارت إليه بكل جلاء الآية الكريمة 73 من سورة الأنعام (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ). وكذلك أشارت الآية الكريمة 27 من سورة الروم إلى ما يُفهم منه أن خلق الوجود القادم يوم القيامة أهون على الله تعالى من خلقه هذا الوجود (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فخلْق الوجود القادم يوم القيامة أهون على الله تعالى من خلق هذا الوجود، وذلك لأنه خلْقٌ لن يتطلب مليارات السنين من تدخلٍ إلهي غير مباشر من وراء حجاب الأسباب؛ إذ أن كل ما سيتطلبه هو لا أكثر من نفخة الصور بكلمة “كن”.

أضف تعليق