القراءة الإنسانية للطبيعة والقراءة الطبيعية للإنسان

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قراءتان مغلوطتان تسببتا في وقوعنا في كثيرٍ من الأخطاء المعرفية القاتلة:

human and natureالقراءة الأولى هي قراءة الإنسان بالطبيعة؛ بأن ننظر إلى الإنسان فنراه كائناً من كائنات هذه الطبيعة، وذلك بسببٍ من نشأته من مادتها وتطوُّره تحت ظلالها. وبذلك يكون الإنسان بموجب هذه القراءة المغلوطة كائناً طبيعياً يجري عليه ما يجري على باقي كائنات الطبيعة من قوانين. إلا أن هذه القراءة قد أوقعتنا في أخطاء معرفية فادحة وذلك لأننا، وبسبب من إصرارنا على طبيعية الإنسان، قد فاتنا أن هناك في الإنسان ما يوجب علينا أن نفترض أصلاً له غير طبيعي وذلك ليتسنى لنا أن نعلل لغوامض كيانه “الطبيعي” هذا ما يعجز ماضيه الطبيعي عن تفسيرها! إذاً فالإنسان لا يمكن أن يُقرأ بدلالةٍ من نشأته في كنف الطبيعة، وبما يجعلنا ننظر إليه فنراه، شأنه شأن غيره، كائناً من كائناتها.

فنحن إذا ما نظرنا إلى الإنسان بنظرةٍ غير منحازة، فلن يكون بمقدورنا أن نراه “كائناً طبيعياً”، وذلك لتمايزه عن كائنات الطبيعة بما يمكن أن نصفه بأنه تناشزٌ وشذوذٌ. وبذلك تسقط القراءة الطبيعية للإنسان وتُسقطنا معها في أخطاء وتناقضات لا سبيل للخروج منها إلا بتخلِّينا عن هذا الإصرار منا على أن الإنسان أما وقد نشأ نشأة طبيعيةً فإنه كائنٌ من كائنات الطبيعة بالضرورة. وهذا يحتِّم علينا أن ننظر إلى الإنسان لنراه كائناً غير طبيعي، وإن كان طبيعي المنشأ. فالإنسان نشأ من الطبيعة وتطوَّر بصورةٍ غير طبيعية.

والقراءة الثانية هي قراءة الطبيعة بالإنسان، وذلك بأن ننظر إلى الطبيعة باعتبارها الأم التي أنجبت هذا الإنسان الذي بمقدورنا أن نقرأها بدلالته فنصف ما يحدث فيها وصفاً إنسانياً بمفرداتٍ إنسانية. وهذه القراءة المغلوطة تسببت في جعلنا ننظر إلى ما يحدث في الطبيعة فنراه لا يختلف في شيء عن مشابهات له في عالم الإنسان، مادام قد استقر عندنا أن الإنسان والطبيعة سيان. فترانا قد شرعنا في توصيف أحداث الطبيعة بمفرداتٍ من عالم الإنسان مما أوقعنا في أفدح الأخطاء المعرفية، أما وقد فاتنا أن الإنسان، وإن كان قد تطوَّر عن الحيوان، فإنه قد تناشز عنه بشذوذه عن الطبيعة ليصبح كياناً غير طبيعي لا ينبغي لنا أن نقرأ الطبيعة بدلالته! وما “شرعة الغاب” إلا مثال بسيط على ما جنته علينا هذه النظرة الإنسانية للطبيعة إذ جعلتنا نتوهم أن ما يحدث فيها لا يختلف في شيء عما يحدث في مجتمعات البشر من تسلطٍ للقوي على الضعيف يصل حد الافتراس!

إن هاتين القراءتين قد أسهمتا في وقوعنا على كمٍّ كبير مما خلنا أنه حقائق ومعارف جديدة وما هي في حقيقة الأمر إلا محض أوهام. فيكفينا أن نستذكر ما وقعنا فيه من أخطاء معرفيةٍ جسيمة بتطبيقنا قانون التطور الطبيعي على الإنسان. ولقد أدى هذا التطبيق الخاطئ لقانون التطور على الإنسان إلى جعلنا نتوهم أن الإنسان قد تطور تفكيره الديني من بداياتٍ كان فيها يعبد تقريباً كل شيء إلى نهاياتٍ أفضت به إلى عبادةِ إلهٍ واحد! وهذه النظرة التطورية تسببت في ابتعادنا عن الحقيقة التي ما كان لنا أن نقع عليها ونحن مصرُّون على أن نقرأ الإنسان قراءةً طبيعية يكون بموجبها كل ما هو ذو صلةٍ به يخضع لقانون التطور الطبيعي!

أضف تعليق