بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
صحَّ عن حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: “إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال”. وحب الله تعالى الجمال يتجلى في كل ما ترى حواليك من جمال. وكلنا يزعم أنه محبٌ للجمال عاشقٌ له! وهذا زعمٌ يدحضه ما نحن عليه من انشغالٍ عن الجمال بهذا الذي صيَّرنا بشراً تعساء. فلو كان الواحد منا حقاً يحب الجمال لجعله هذا الحب ينشغل به عن نفسه فلا يُسلِمها قيادَه تفعلُ به ما تشاء. وليس هناك ما هو أحلى للنفس من حملها لنا على ما تشاء هي وتهوى. وهذا الذي تهواه النفس بوسعك أن تتبيَّنه في ما نحنُ عليه من حزنٍ مقيم وكآبةٍ دائمة. فالنفسُ تدرك جيداً أن ما نحن عليه من إحساسٍ مرهف بالشقاء والتعاسة هو سبيلها إلى دوام تحكُّمها بنا حتى لا يكون بوسع واحدنا أن ينتفض فيثور عليها مادامت هي قد نجحت في توجيه ثورته تمرُّداً على الله تعالى وعلى كل شيء.
إذاً فكلنا يكذب إذ يزعم أنه محبٌّ للجمال مادام واحدنا غير متمكِّن من نفسه وبما لا يجعلها متملِّكةً له. إن اللهَ تعالى قد خلق الوجود جميلاً لأنه يحب الجمال. واللهُ تعالى خلق الجمال رحمةً بنا علَّنا ننجذب إليه فننعتق من أسر هذه النفس التي أحكمت سيطرتها علينا حتى ما عادَ هناك مَن بمقدوره أن يحرِّرنا من هذا الأسر إلا مَن حباهُ الله بما هو قادرٌ على أن يجتذبنا إليه ويُشغلنا به عنها. وهذا هو كل مَن ميَّزه الله بجمالٍ له أن يُعيننا على هذه النفس إذا ما نحن انشغلنا به عنها فيكون لنا بذلك أن نخطو خطوتنا الأولى بعيداً عنها في رحلة الإنعتاق والتحرُّر من تحكُّمها فينا.
هل رأيتَ كم هو عسيرٌ أن تكون محباً للجمال؟ وكم يستحق الأمر أن تثور على نفسك لأجله؟ إن الجمال رحمةٌ من رحمات الله تعالى فاحرص على ألا يفوتك أن تنجذب إليه بعيداً عن نفسك التي لا تريدك إلا أن تبقى أسيرها متعبداً في محراب قبحها وبشاعتها. لقد خلق اللهُ تعالى الجمال وجعله آيةً من آياته التي بوسعها أن تنتشلك من عبوديتك لنفسك إذا ما أنت أحببته حباً جرَّبه من قبلُ مَن حرَّرهم هذا الجمال من أسر تلك النفس فصيَّر الواحد منهم جميلاً، من بعد أن تملَّكه، ليكون بذلك عبداً لله تعالى وحده لا شريك له.
