بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً 
وعد اللهُ تعالى المؤمنين والمؤمنات جنةٍ عرضها السموات والأرض: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (133 آل عمران). ونحن إذا ما شرعنا بتدبُّر هذه الآية الكريمة، مستعينين بمعطيات علم الفلك المعاصر، فإن قراءةً أوليةً لها ستفضي بنا إلى وجوب القول بأن مساحة هذه الجنة ستكون ممتدةً آلاف الملايين من السنوات الضوئية! وهذه قراءة لا يمكن أن تكون موفَّقة. إذ لا يُعقل أن تمتد جنة الآخرة هذا الامتداد الكوني الشاسع الذي يتطلب إنفاقاً إلهياً هائلاً لا مبرر له. إذاً لابد من أن نقرأ هذه الآية الكريمة قراءةً “غير فلكية” علَّنا أن نُوفَّق إلى تدبُّرها فنقع على المعنى الذي يريدنا الله تعالى أن نتبيَّنه بخصوصها. إن خير سبيلٍ لتدبُّر آية قرآنية كريمة هو بتفسيرها بآية، أو آيات، كريمة أخرى، وذلك كما يقضي به المنهج التفسيري الذي أوصى به حضرة سيدنا علي كرّم الله تعالى وجهه بقوله “القرآن يفسِّر بعضه بعضاً”. لنتدبر الآيتين الكريمتين التاليتين: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (75 الأنعام)، (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (185 الأعراف). يتبيَّن لنا بتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين أن ملكوت السموات والأرض هو ما بالإمكان الإحاطة به منهما. وهذه الإحاطة لا يمكن أن تتجاوز أبعاداً فلكية تحددها حقيقةُ أن الناظر في ملكوت السموات والأرض إنما يراهما من على هذه الأرض، وبالتالي فلن يكون بمستطاعه أن يرى سموات الوجود وأرضينه كلها جميعاً. وإذا ما نحن عدنا إلى آية الجنة التي عرضها السموات والأرض، فإن هذه الجنة لن تتجاوز مساحتها أبعاد كوكبنا الأرضي الذي أحاط به من سموات الوجود جزء منها يسير هو كل ما تسنى لهذا الكوكب أن يُحاط به منها. إذاً فجنة الآخرة التي عرضها السموات والأرض هي جنةٌ ممتدةٌ على مساحة لا تتجاوز بحال كوكبنا الأرضي هذا.
