ما علَّتنا؟ ..What’s wrong with us؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

فيل سعيد

بالمقارنة مع الإنسان، يتميز الحيوان بهذا الذي يجعل منه منسجماً مع الطبيعة، متناغماً معها، وبما يتجلى على وجهه سكينةً وسكوناً ورضى! أما الإنسان، فهو في الغالب الأعم شكَّاء بكَّاء، لا يرضى بالكثير ولا يقنع بالقليل. ولذلك فإنك تراه دوماً ضجراً متبرماً مسارعاً إلى اتهام الله بالتقصير حياله إذ لم يحقق له ما كان حرياً به تعالى أن يعلمه من شأنه وذلك قبل أن يدعوه ليحققه له! فما الذي حدث فجعل من الإنسان شقياً كل هذا الشقاء، يعاني كل هذا العناء، دون أن يكون هناك من سببٍ موضوعي بالإمكان إرجاع هذا الشقاء والعناء إليه؟

لا يمكن على الإطلاق أن يكون هذا السبب طبيعياً، منتمياً إلى هذه الطبيعة التي تناغم معها وانسجم الحيوان الذي وإن شاركناه البنوة لأمنا الطبيعة، فإننا تناشزنا معه بهذا الشذوذ منا عنها والمتجلي علينا حزناً مقيماً وكآبةً تأبى أن تفارقنا. وهكذا، فلابد من أن نفترض أن ما حدث لنا فجعلنا أشقياء تعساء هو أمرٌ لابد من أن يكون منتمياً لغير هذه الطبيعة التي هي بكائناتها الطبيعية رؤوفةٌ رحيمةٌ فلا تقسو عليهم البتة قسوتها على الإنسان والمتجلية بما يستشعره من لاانتماء إليها، وهي التي كانت يوماً ما أمه الرؤوم. إن إصرار علماء الإنسان على النظر إلى الإنسان على أنه مفردةٌ من مفردات الطبيعة، لن يجعله إلا يوغل أكثر فأكثر في هذا الشقاء والعناء، مهما حاولوا أن يخففوا عنه من وطأة تناشزه معها وشذوذه عنها.

فلا حل هناك لتخليص الإنسان من شقائه إلا بالإقرار بأن مشكلته هي ليست مع الطبيعة، ولكنها مع هذه النفس التي تملَّكته فجعلته ألعوبتها ودميتها تتقاذفه أنى تشاء، وتعتصره لتجعل منه تارةً مبتهجاً وأخرى مكتئباً، وهو لا يدري علةً لهذا أو ذاك مما يعتمل داخلاً منه من مضطرب المشاعر ومضطرم الأحاسيس. ومادامت مشكلة الإنسان هي مع نفسه، فإن حلَّها لن يتأتى له أن يقع عليه إلا بلجوئه إلى من وحده بوسعه أن يتناوش هذه النفس بالتأديب والتهذيب والتشذيب، فيجعلها تنكفئ متراجعةً، بل ويُمكِّنه منها ترويضاً لها وتطويعاً يجعلانها خديمته من بعد أن كانت سيدته. وهذا الذي بمقدوره أن يُعين الإنسان على نفسه فيجعله سيدها يأمرها فتطيع، هو الله الذي إن سار الإنسان على طريقه تعالى فإنه سيُنهي وإلى الأبد شقاءه وعناءه ليعود بذلك إلى حضن الطبيعة إبناً باراً بها، متناغماً معها، منسجماً شأنه في ذلك شأن حيوانها ونباتها.

أضف تعليق