إلى الجنة بالسلاسل

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

كلُّنا يظن بنفسه خيراً. فنحنُ على شيء من الإيمان يجعلنا لا نشك أبداً في ما نحن عليه من حالٍ مع الله يؤهِّلنا لنكون ممن آمن به تعالى فكان من خيرة عباده المؤمنين! ولا أدلَّ على بطلان هذا الظن الحسِن منا بأنفسنا من أننا لا نبادرُ إلى العبادات إلا اضطراراً وأننا نستثقل أوامر الله تعالى ونواهيه فلا نمتثل لها إلا ونحن كارهون. فلو أننا كنا عند حسن ظننا بأنفسنا لكانت الجنةُ عندنا حقيقية كما هو حقيقي ما نتصارع عليه من زخرف هذه الدنيا وزينتها وبهرجها! ألا ترانا نتقاتل على هذه الدنيا تكاثراً وتفاخراً وتباهياً؟! وهل رأيتنا يوماً نتقاتل على الجنة تقاتلنا على هذه الدنيا؟! لقد استفاض القرآن العظيم في حديثه عن الجنة وذكر أنها تستحق أن يُتنافَس عليها ويُسارعَ إليها ويُسابَق: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين) (133 آل عمران)، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (21 الحديد)، (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (من 26 المطففين).
إلا أننا لم نصدِّق ما وعد الله تعالى عباده بالغيب، وذلك لأن ما هو ماثلٌ أمامنا في عالم الشهادة يمثِّل لنا “الحقيقة”، وكل ما سوى هذه “الحقيقة” فليس له أن ينال من قلبنا ولو جزءاً يسيراً منه! ولذلك ترانا لا نأبه بما يؤهِّلنا لنُزَحزَح عن النار ونُدخَل الجنة، من طيب القول وصالح العمل، فجاءت لذلك أقوالنا وأعمالنا مصداقَ هذا الذي آمنا به فحسُن إيماننا! وهذا الذي آمنا به هو لا يتعدى هذه الدنيا التي فاتنا أن نتذكر ما ذكره لنا القرآن العظم بشأنها، مادام هذا يتناقض مع ما آمنا به بخصوصها، ومادام هو يضطرنا إلى الإعراض عنها والإقبال على ما تعافُه أنفسُنا وتشمئز منه: الآخرة. فكيف لنا أن نُعرض عن آيات القرآن العظيم التي عرَّفتنا بالدنيا على ما هي عليه حقاً وحقيقة؟ لنتذكر سوياً بعضاً من هذه الآيات الكريمة: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (24 يونس)، (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا) (45 الكهف)، (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) (20 الحديد).
وهكذا، فلو أننا كنا نصدِّق حقاً أن الآخرة آتية لا ريب فيها، وأن الجنة حق والنار حق، لكان حالنا مع الله تعالى غير ما نحن عليه. إن انصرافنا عن الجنة بكل جوارحنا بسببٍ من انشغالنا بالتمام والكلية بهذه الحياة الدنيا، هو الذي بوسعه أن يجعلنا نعي ما انطوى عليه من حقٍّ لا مراء فيه حديثُ حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: “عجباً لقومٍ يُقادون إلى الجنة بالسلاسل”.

أضف تعليق