التقوى وقايتك يوم لا ينفع علاج

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قيل إن الوقاية خيرٌ من العلاج. وهذه حقيقةٌ تجريبية بوسعنا أن نستضيء بها فننظر إلى تقوى الله تعالى فنرى بعضاً مما انطوت عليه من منافع جليلة. فتقوى الله تعالى إذا ما تملَّكت القلب فإنها تجعل من الجوارح لا يصدر عنها إلا كل ما يرضي الله تعالى من طيب القول وصالح العمل. وتقوى الله تعالى ليس باليسير التحلِّي بها مادام الأمر يتطلب منك أن تجاهد نفسك حتى لا يبقى هناك ما بوسعها أن تنقضَّ عليه منك مادامت قد صدقت منك النية فحرَّمك اللهُ تعالى على نفسك. وتقوى الله تعالى بمستطاعها أن تُعينك على نفسك إذا ما أنت شرعتَ بالتحلِّي بها شيئاً فشيئاً. فبمقدار ما تتحلى به من تقوى الله يمكِّنك تعالى من نفسك فتدفع بها بعيداً عن حومتها فيُتاح لك بذلك متنفَّس لتقولَ ما هو طيب وتعمل ما هو صالح. وهكذا إذا ما كان دأبك أن تتحلى بمزيدٍ من التقوى كل حين، فسوف ينتهي بك الأمرُ إلى إحكام سيطرتك على نفسك فلا يعود بمقدورها أن تنال منك ما كان يُمكِّنها من دفعك بعيداً عن النور صوب الظلمات. والسر في الأمر هو أن تقوى الله تمكِّنك من أن تحظى بقبس من نوره تعالى بوسعه أن يُطفئ من نارِ نفسك بقدر ما تحلَّيتَ به منها. وهكذا ستشرع تقواك بتمكينك من نفسك حتى تتحرر من أسرها لك فتغدو عبداً لله تعالى متحرراً من كل ما كان يستعبدك من قبل. لقد خلقنا الله تعالى لعبادته وليس لشيء آخر. وبذلك تكون العلاقة الصائبة الوحيدة بينك وبين ربِّك هي علاقة العبد بالمعبود. وهذه العلاقة لا يوجد ما بوسعه أن يجعلها تتخذ شكلها الصحيح غير التقوى، مادام العبدُ عبداً والمعبود رباً إلهاً لا قدرةَ للعبد على أن يعرفه على ما هو عليه حقاً وحقيقة. وهكذا فإذا ما كانت علاقة العبد بالمعبود قد صاغتها تقواه فصيَّرتها خوفاً دائماً منه، فإن هذه العلاقة سوف تجعل منه عبداً معافى من كل أثرٍ من آثار أكلة أبويه من الشجرة المحرَّمة. فتقوى الله تعالى أنجع دواء لأخبث داء. والداء الخبيث هو ما استوطن فتوارى بعيداً عن أن يناله الدواء فتمكَّن وأصبح بذلك عصياً على أن تشفى منه. وحدها تقوى الله تعالى بمقدورها أن تنال من دائك الخبيث نيلاً لا يُبقي له على شيء من تأثيرٍ فيك، فيتحقق لك بذلك أن تتعافى منه فتصير حراً من كلِّ تأثيرٍ له. وهكذا فبمقدور تقوى الله تعالى أن تجعلك هذا العبد المشافى المعافى المؤهَّل ليوم القيامة تأهيلاً يجعله بمأمن من نارها مطمئناً فلا يخشى أن تصيبه منها شرارة. وليس لغير تقوى الله تعالى أن تجعلك هذا العبد. وكل من فاته أن يتحلى بتقوى الله تعالى في هذه الحياة الدنيا، فلن يكون بمقدوره يوم القيامة أن يُزحزح عن نارها ولو قُيِّض له أن يحظى بكل دواء. فلماذا لا تبادر إلى تقوى الله تعالى مازلت في هذه الحياة الدنيا قبل أن تباغتك الآخرة وأنت لم تتزوَّد بخير الزاد (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (من 197 البقرة).

أضف تعليق