بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قالت العرب قديماً “آخر الدواء الكَي”. فالعرب كانت قد أعدَّت جملةً من العلاجات يُتداوى بها، فإذا ما أعجز الداءُ الحكيمَ فلن يكون في جعبته ما يُتداوى به غير الكَي دواءً أخيراً. ونحن إذا ما تدبَّرنا حال الإنسان في هذه الحياة الدنيا، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن أنه ملتاثٌ بداءٍ أعجز أطباءَ هذا العصر، كما أعجز أطباءَ أسلافه من قبل. فالإنسان في كل زمان ومكان هو الإنسان، كياناً تحتَّم عليه أن يعاني من أثر أكلة أبويه من الشجرة المحرَّمة. ولقد أبى هذا الإنسان أن يبادر إلى الدين، الذي أنزله الله تعالى رحمةً له، لينهل منه ما يتمكن به من أن يداوي لوثتَه التي جُبل بها، فعادَ عليه هذا الإباء بما جعل منه يعاني أشد العناء. وهذا العناء، الذي صيَّر الابتلاءَ بلاء، لن يرضى بأن يكون حظُّه من الإنسان هو عُمُره في هذه الحياة الدنيا، ولكنه سيصحبه إلى الآخرة فيلازمه أبد الآبدين، وذلك لأن الأصل في الأمر هو ابتلاء من الله تعالى كان يتوجب على الإنسان أن يتبيَّنه فيدرك ألا نجاة إلا بأن يعي أن المبتلي ما قدَّر هذا الابتلاء إلا رحمةً به علَّه ينتفع بها فيشفى، وإلا أضحى الابتلاء هذا البلاء. ولما كانت الحياة الدنيا قد خلقها الله تعالى ليتسنى للإنسان أن يدرك هذا الأمر علَّه أن يبادر إلى مَن وحده بمقدوره أن يداويه فيشفيه، فإن الله تعالى لن يدَّخر وسعاً ليكون بمستطاع الإنسان أن يبادر إليه بالتوبة والإنابة شارعاً بالسير على طريقه تعالى. وهذا ما جعل من الإمهال الإلهي واحداً من سُننه تعالى التي تعهَّد بها هذا الإنسان. فهذا الإمهال يُقصد من ورائه أن يُتاح للإنسان من الزمان ما هو كفيلٌ بجعله يتَّخذ الخيار الصحيح فينجو به. فإذا ما أصرَّ الإنسان على الإباء والإعراض، فلن يكون هناك من دواء لما أبى أن يداويه فصُيِّر بذلك الابتلاءُ بلاء تحتَّم عليه أن يصاحبه مادام حياً، وأن يصحبه بعد أن يموت فيُبعث حياً. وعندها فلن يكون هناك إلا نار الله الموقدة دواء لما عجز هذا الإنسان عن أن لا يصيِّره بلاءً، وذلك لفشله في الابتلاء. وهكذا يكون الكَي بنار جهنم أبد الآبدين هو آخر الدواء لهذا الداء الذي أبى الإنسان أن يتداوى منه في حياته الدنيا التي خلقها الله تعالى لتكون له دار ابتلاء علَّه يبادر إلى مداواة نفسه مما ابتُليت به من الداء فأبى إلا أن يحياها مُصيِّراً الابتلاء بلاء.
