“لقاتلونا عليه بالسيوف”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

جاء في الأثر الصوفي أن واحداً من المتصوفة قال: “والله لو يعلم الناس ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف”. فما هذا الذي هم عليه حتى يقاتَلوا عليه بالسيوف؟ يتميَّز المتصوفة عن باقي خلق الله بخصيصةٍ جعلتهم لا يشبهون أحداً من الناس ممن لم ينتهجوا منهجهم في مجاهدة النفس واضطرارها على ما لا تهوى. فالمتصوف الحق هو من كان في شُغُل عن الناس بنفسه، وذلك لإيقانه أنها العدو الحقيقي الذي يتوجب عليه أن يتعامل معه وبما يكفل له أن يحظى بخير الدنيا والآخرة إن هو مُكِّن منها بالترويض والتطويع حتى تنقلب نارها نوراً فتصير بذلك طاقة بناء بعد أن كانت طاقة هدم. وهذا لا يتأتى لكل من هب ودب ممن لا قدرةَ لهم على الانشغال بغير ما جُبلت عليه النفس من حرص على الولوغ في عَرَض هذه الحياة الدنيا. فالمتصوف الحق هو من أدرك أن انشغاله عن نفسه بالآخرين، مناكدةً لهم وتقاتلاً معهم واصطراعاً، لن يعود عليه بشيء غير خسرانه ما بوسعه أن يحظى به من حياة طيبة في الدارين لو أنه انكب على نفسه تأديباً لها حتى لا تبقى تدفع به بعيداً عن النور إلى دياجير الظلمات. والمتصوف الحق، إذ يمكَّن من نفسه، فإنه يصيَّر إنساناً آخر غير الذي كان عليه قبل هذا التمكين. وهذا التمكين يتجلى عليه سكينةً لا سبيل آخر ليحظى واحدنا بها إلا بأن ينتهج مسلك هذا الصوفي فيُمكَّن من نفسه من بعد مجاهدتها حق الجهاد.وتمكين الإنسان من نفسه، بتمكُّنه من قهرها وتصييرها مطيعةً له مؤتمرةً بأمره ومنتهية بنهيه، سوف يغيِّر من واقعه فيتجلى فيه ما بالإمكان أن يوصف بأنه “استخلاف وتمكين”. وهذا حالٌ مع الله تعالى يجعل المتصوف الحق يحيا في واقع آخر غير هذا الذي لا نعرف واقعاً غيره. فتراه، وإن كان يشاركنا واقعنا، تبدو عليه آثارٌ من واقعٍ آخر لا قدرةَ لنا على أن نتعرف عليه فنعرفه إلا بدلالةٍ من هذه الآثار. ولكن هذه الآثار لا قدرة لها على جعلنا نعرف ما هو عليه حقاً وحقيقةً هذا الصوفي، وذلك لأننا قد تعلَّقنا بواقعنا إلى تلك الدرجة التي ما عادَ بوسعنا أن نفلت من محكم قبضته وتحكُّمه فينا. على أي حال، فالمتصوف الحق إذ مُكِّن من نفسه فمُكِّن له في الأرض، في شغُل عن واقعنا، الذي انشغلنا به سكراً حتى الثمالة، فلا يجد له غنىً عن واقعه المستور عن أعيننا بحجاب أنفسنا. أنظر إلى سيدنا ذي النون المصري وهو يصف حاله مع الله تعالى: “اطلبوا لأنفسكم مثلما طلبتُ أنا، قد وجدت مدداً ما وجدت عنه غنى”.
إن هذه الدنيا بقضِّها وقضيضها وضجيجها، ينظر الصوفي الحق إليها فلا يراها إلا على حقيقتها فقيرةً عاجزة فلا قدرة لها بالتالي على أن تشغله عن عالمه المتفجِّر عطاء وغنى. فالمتصوف الحق يحيا في واقعه المحجوب عن أنفسنا، كما لو أن هذا الواقع هو تجلٍّ من تجليات جنة الآخرة في هذه الحياة الدنيا. وبذلك يقدم لنا المتصوف الحق مثالاً حياً على ما بوسع عبادة الله تعالى أن تعود به على الإنسان من خيرٍ في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة. ولكننا أبداً لن يكون بمقدورنا أن نعي هذا كله مادام واحدنا أسير نفسه محجوباً بها عن كل خيرٍ إلا ما كان منه منتمياً إلى هذه الدنيا التي هي ليست بأكثر من ظل لما هي عليه الحياة الحقة التي قُيِّض للصوفي الحق أن يحياها بعيداً عن أعيننا الناظرة إليه! فالصوفي الحق، وإن كان يشاركنا واقعنا بعيشه فيه، بدناً بقلبٍ غير مشغول به، فإننا بالمقابل لا نشاركه واقعه الذي انشغلنا عنه بأنفسنا التي خلقت لنا هذا الواقع الذي توهَّمناه الواقع الوحيد.

أضف تعليق