ما هي حقيقة الاستشفاء بالقرآن العظيم؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

وننزل من القرآنراج في الناس وشاع أن هناك مَن بوسعه أن يداوي بالقرآن العظيم. ويستند هؤلاء المداوون بالقرآن العظيم إلى آيات قرآنية كريمة هي عندهم تؤصِّل لمذهبهم في التداوي بهذا القرآن. وهذه الآيات الكريمة هي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (57 يونس)، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) (82 الإسراء)، (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) (من 44 فصلت).

فهل حقاً يمكننا أن نداوي بالقرآن العظيم أبداننا؟ إن الإنسان غير قادر على أن يفلت من تصوراته وأوهامه إلا إذا ما تعهَّد نفسه بالمجاهدة حتى لا يكون لها أن تفرض عليه أجندتها الخاصة فتسير به في وهادٍ ودياجير لا يرتجى أن تفضي به إلى غير توغُّل فضياع في متاهات لا أمل بالنجاة منها. والإنسان لا ينبغي أن تتوقع منه أن يحيد عن هذه الضلالات لمجرد أنه أصبح يقول بأن الله هو ربُّه، وأنه قد أضحى مؤمناً به تعالى من كل قلبه! فما لم يجاهد الإنسان نفسه حق الجهاد، فإنه لن يكون قادراً على أن يحول دون أن تخالط هذه النفس تديُّنه فتصبغه بصبغتها وتصيِّره بالتالي كياناً شائهاً مسخاً لا علاقة له بالدين من قريب أو بعيد. وهكذا فإن كل زعمٍ بأن بالإمكان التداوي بالقرآن العظيم، وبما يجعلنا في غنى عن أي دواء آخر، ما هو إلا مثال على ما للنفس من سطوةٍ على أدعياء التديُّن الحق، إذ جعلتهم يقعون في هكذا أوهام ما أنزل اللهُ بها من سلطان!

إذاً فإذا لم يكن متاحاً لنا أن نداوي بالقرآن العظيم أبداننا، فما هي حقيقة الاستشفاء بالقرآن العظيم؟ إن آيات الشفاء الواردة أعلاه لا ينبغي أن يُفهم منها أن بالإمكان التداوي بالقرآن العظيم. فكل ما في الأمر لا يعدو أن يكون ذا صلةٍ بما لهذا القرآن من قدرةٍ على التعامل الروحي مع النفس البشرية، وبما يجعل منها تشفى من عللها إذا ما تدبَّرتَ القرآن العظيم، وذلك لما حباه الله تعالى من قدرةٍ خارقةٍ للعادة على أن تنال من هذه النفس فتفعل فيها كل ما هو عجيب، فيكون للقرآن العظيم بالتالي أن يداويها من هذه العلل. فشفاء القرآن العظيم متأتٍ لنفوسنا وليس لأبداننا. وفي هذا الدليلُ الحاسم على أننا لسنا مجرد أبدانٍ كما يريد أن يوهمنا بذلك العلم الغربي المعاصر. فلو أننا لسنا إلا هذه الأبدان، التي لا يعرف سواها هذا العلم، فلماذا كان بمقدور القرآن العظيم أن يداوي نفوسنا بينما يعجز الطب النفسي عن ذلك؟!

إن الإنسان نفسٌ قبل أن يكون بدناً. وهذه حقيقة صوفية لابد من أن نقر بها حتى يتسنى لنا أن نتبيَّن ما لهذا القرآن العظيم من قدرة على شفاء أسقامنا وعللنا التي جُبلت عليها هذه النفوس، وحتى يكون بمقدورنا أن ندحض ما يزعم به المتشدِّقون بالعلم المعاصر من أننا لسنا إلا ما ترى من أجسامنا، وأن ليس هناك تحت قشرتها ما يُتوهَّم أنه كيانٌ ميتافيزيقي هو هذه النفس التي يقول بها المتصوفة.

أضف تعليق