بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يفاجئ التصوفُ كثيراً من المتديِّنين بكثيرٍ مما ينطوي عليه من مفردات وممارسات وسلوكيات. وما ذلك إلا لأن كثيراً من المتديِّنين خلطوا بينها وبين ما يظنون أنها ممارسات للمشركين، فكان في هذا ما يبرر، من وجهة نظرهم، أن يُماهى بين التصوف والإشراك. ومن بين هذه الممارسات يبرز “الاستمداد” واحداً من أكثر ما يؤخذ على التصوف؛ إذ ينظر التديُّن التقليدي إليه على أنه ليس إلا نمطاً آخر من الإشراك بالله تعالى. فالاستمداد عند هؤلاء يعني أن تطلب من غير الله تعالى. فهل الاستمداد هو نوع من الشِّرك حقاً؟
إن الإجابةَ على هذا السؤال تستوجب أن نعود إلى بدايات التصوف، ثم نعرِّج من بعدها على القرآن العظيم. فالتصوف، إذ هو ليس إلا الاستقامة على طريق الله تعالى، قد يجعل ممن يروم أن ينتهجه في حيرةٍ من أمره وهو ينظر إلى ما بين يديه من طرقٍ يزعم كلٌّ منها أنه طريق الله تعالى. فكيف السبيلُ إذاً إلى تبيُّن أيَّ الطرق هو طريق الله تعالى حقاً؟
لقد بيَّن أساتذة الطريقة السبيلَ إلى ذلك، وذلك بأن نصحوا مُريدي طريق الله تعالى بالاستمداد من كل مَن زعم أن طريقه هو الطريق الحق إلى الله تعالى؛ فإذا ما جاءهم المدد فإن في ذلك البرهان على صدق زعمه، وإلا فهو كاذب. وبذلك كان الاستمداد وسيلةَ مُريدي طريق الله ليتبيَّنوا أي الطُرق إليه تعالى هو الطريق الحق. وهذا هو التأصيل التاريخي للاستمداد عند المتصوفة؛ حيث شرع من بعدها مريدو طريق الله تعالى بالاستمداد ممن تأتَّى لهم أن يحصلوا على المدد منه، مادام قد ثبت لديهم أنه قادرٌ على الإمداد. وبهذا يكون الاستمداد هو سلوك تعبُّدي مادام بمقدورك أن تستعين به وسيلةً لتستبين بها أيَّ الطرُق هو الطريق إلى الله تعالى حقاً.
والآن، أما وقد تجلَّى لنا التأصيل التاريخي للاستمداد، فإن تدبُّر القرآن العظيم بوسعه أن يُعيننا على أن نستيقن أن الاستمداد لا علاقة له بالشِّرك من قريب أو بعيد. لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم) (76 المائدة)، (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (16 الرعد)، (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) (3 الفرقان)، (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ. قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُون. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّون. قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُون) (71-74 الشعراء).
يتبيَّن لنا بتدبُّر هذه الآيات الكريمة أن الاستمداد يتمايز عن الإشراك بميزة أنه يؤمِّن للمستمِد أن يحصل على مراده ومبتغاه، بينما يعجز الإشراك عن أن يجيء المشركَ بأي نفع، ناهيك عن أن يكون بمقدوره أن يدفع عنه أي ضرر. وبذلك يبرهن القرآن العظيم على أن الاستمداد لا يمكن أن يكون فيه أيةُ شائبة من الإشراك، وذلك طالما كان بمقدوره أن يتيح للمستمد أن يحظى بالإمداد.
