بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يؤثَر عن العارف بالله سيدي إبن عطاء الله السكندري رضي الله تعالى عنه أنه قال “أتريدُ أن تُخرَق لك العوائد وأنت ما خرقتَ من نفسك العوائد؟”. تُلخِّص هذه المقولة التصوف بقليل كلماتها هذه. فالتصوف مجاهدةٌ للنفس تحملها على ما تكره وتخالفها فيما تعشق وتهوى. فالتصوف، إذ هو ممارسة الإسلام بإتقان، ينطلق من هذا الإدراك منه أن لا خير يرتجى من قولٍ أو عمل ما لم يكن هذا وذاك خالصَين مبرَّأين من أية مخالطةٍ للنفس. فالنفسُ، إذا ما خالطت قولك أو عملك، تُصيِّرهما ملتاثَين بما لا يجعل منهما يحظيان بالقبول من الله تعالى. فاللهُ تعالى لا يصعد إليه إلا الكَلِم الطيب، ولا يرفع إلا العمل الصالح. وهذان لا سبيل للوقوع عليهما إلا بأن يجيئا نقيِّيَن فلا شائبة تشوبهما مما جُبلَت عليه النفسُ وأُحضِرت. فهذه النفس، التي ابتُلينا بها، قد ذكر قرآن الله العظيم أنها أُحضِرَت الشُّح فيما أُحضِرت. والشُّح هو واحدٌ مما جُبلت عليه النفسُ من سيء الخصال. وهذه الخصال السيئة بمقدورها أن تُشين أقوالَنا وأعمالَنا فتُصيِّرها مما يُحسَب علينا لا مما يُحسَب لنا. وهذا هو الذي جعل التصوف مهووساً بهذه النفس التي لا شغل لها يشغلُها عنا ليل نهار. فهذه النفس لا تريد لنا أن نتحرر من ربقة أسرها لنا، فتراها لذلك تتفنَّن في جعلنا لا نفكر البتة في المخالفة عن أمرها وعصيان ما تأمرنا به.
والتصوف قائمٌ على أساسٍ من هذا الإدراك منه لما نحن عليه بسببٍ من تحكُّم نفوسنا فينا. وهذا الذي جعل من التصوف يتفنن هو الآخر في تزويدنا بكل ما يستلزمه أمر تصدِّينا لما تأمر به نفوسنا من منكر القول والعمل. ولذلك فإن التصوف لا يمكن على الإطلاق أن يكون مجرد ثقافة؛ فهو ممارسة تُلزمك بوجوب القيام بكل ما هو كفيلٌ بمناكفة نفسك مجاهدةً لها بالمخالفة عن أمرها والعصيان لها. وهذا ما لا يتأتى لك أن تحظى به إذا ما ظننتَ أن قراءتك لأقوال المتصوفة بمقدورك أن تنتفع بها ما لم يُتبِع ما قرأت أفعالٌ تضطر نفسَك إلى مجابهتك والتصدي لك. فكل فعل ترتاحُ إليه نفسك لا قدرةَ له على أن يرتقي بك بعيداً عنها. وكل ما تضطر نفسَك إليه مما تمقته وتكرهه، فهو ما ينبغي عليك أن تواظب عليه وتلزمه ولا تفارقه.
والتصوف، إذ هو ينظر إليك فلا يراك إلا نفساً يتوجب عليك أن تتخذها عدواً فتشرع من فورك بما يُمليه عليك هذا الإدراك منك لما هي عليه ولما يتوجَّب عليك تجاهها، فإنه يريدك أن تدرك أيضاً أن حربك هذه على نفسك، بحملها على ما تكره وبمخالفتها عن كل ما أُحضرته وجُبلت عليه، سوف تجيؤك بالغنائم إذا ما قُدِّر لك أن تكسب هذه الحرب من بعد طول أناةٍ وجميل صبر. وغنائم حربك على نفسك هي خوارقُ عاداتٍ وكرامات لابد وأن يتأتى لك الحصول عليها فضلاً من ربك وذلك هو الفوز العظيم.
