الإنسان… هذا المخلوق العجيب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

آدميعجز العلم المعاصر عن أن يقارب الإنسان مقاربةً معرفيةً تفيه حقه ومستحقه. فالإنسان، وفقاً لما يقضي به هذا العلم، ليس بمتمايزٍ عن الحيوان إلا بهذا الذي جعل منه عاقلاً. إذاً فالإنسان، كما يتوهم هذا العلم، حيوان عاقل فحسب! فالعلم، إذ ينظر إلى الإنسان، فإنه لا يستطيع إلا أن يراه بدلالةٍ من ماضيه الحيواني الذي ليس بقادرٍ على أن يعرف غيره ماضياً لم يكن لهذا الإنسان أن يخطو على هذه الأرض لولا ما كان له من تأثيرٍ دراماتيكي عليه. إلا أن العلم المعاصر عاجزٌ عن أن يعلل لهذا  الإنسان بدلالةٍ من هذا الذي لا يعرف غيره ماضياً له؛ فكثيرٌ مما انطوى عليه الإنسان من غوامض ومبهمات لا يمكن للعلم المعاصر أن يعلل لها بالرجوع إلى ماضيه الحيواني هذا. إلا أن هذا العلم يصر على أن ينظر إلى الإنسان بعينٍ تتوهم أن ليس هناك فيه ما يعجز عن أن يعلِّل له بالرجوع إلى نشوئه وارتقائه في عالم الطبيعة، مادام هذا الإنسان كائناً طبيعياً شأنه في ذلك شأن غيره من كائنات هذه الطبيعة.

وإذا ما أردنا أن ننتصر للحقيقة، فإن هذا يوجب علينا أن نُعرض عن نظرة العلم المعاصر إلى الإنسان هذه وأن نقر بأن ما تناشز به هذا الإنسان عن سلفه الحيوان لابد وأن يحتِّم علينا وجوب الرجوع إلى ماضٍ له آخر حتى يكون بمقدورنا أن نعلل لتناشزه هذا. ومادام العلم المعاصر مقيَّداً بمحدِّدات المكان والزمان فلا يستطيع أن يتجاوزها حتى يكون بمقدوره أن يتعرَّف إلى ماضي الإنسان الآخر هذا، فلا مناص إذاً من أن نلجأ إلى مَن لا يحدِّده زمان ولا مكان. والقرآن العظيم، إذ هو كتاب حقائق متعالٍ على الزمان والمكان، فإنه قادرٌ على أن يعيننا حتى يكون بمقدورنا أن نطَّلع على ذاك الماضي الذي عجز العلم المعاصر عن الوقوع عليه. فهذا القرآن بوسعه أن يُطلعنا على ما حدث للإنسان خلال مسيرة نشوئه وارتقائه، وبما يجعلنا قادرين على تبيُّن ما حدث فصيَّره إنساناً. وكنت قد تحدثت في منشورات سابقة عن ذاك الجانب من ماضي الإنسان الذي كان له أبلغ الأثر في جعله كياناً غير طبيعي، وذلك عندما أكل أبواه من الشجرة المحرَّمة. وفي هذا المنشور سوف أتحدث عن جانبٍ آخر من ماضي الإنسان لا قدرةَ للعلم المعاصر على أن يخوض فيه مادام هذا العلم قد ارتضى لنفسه أن يبقى أبد الدهر أسير ما يحدده من زمان ومكان. وهذا الجانب الآخر هو ما كان من ماضٍ لهذا الإنسان شهد تدخلاً إلهياً مباشراً في نشوئه وارتقائه ما كان له أن يصير إنساناً لولاه. فالإنسان ذو ماضٍ حيواني لا مراء فيه. والعلم المعاصر، إذ لا يستطيع أن يعرف غير ماضيه الحيواني هذا، فإنه لن يكون بمقدوره أبداً أن يدحض بصورةٍ قاطعة ما ذكره القرآن العظيم عن ذاك الجانب من الماضي الإنساني الذي شهد إصابة أسلاف الإنسان الأواخر بلوثةٍ صيَّرتهم حيواناتٍ متوحشة تقتل عن شهوةٍ لا عن جوع. وهذه اللوثة حتَّمت على أسلاف الإنسان الأواخر أن يُبادوا كلهم جميعاً لولا أن الله تعالى تدخل بصورة مباشرة فخلق آدم إنساناً في أحسن تقويم من أبوين ملتاثين بتلك اللوثة. ولقد ذكر القرآن العظيم أن الله تعالى خلق آدم من تراب ثم قال له “كن” فكان (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (59 آل عمران). فالخِلقة الترابية للإنسان هي ماضيه الحيواني حتى إصابته بتلك اللوثة التي استوجبت تدخلاً إلهياً مباشراً ليُصار إلى خلق آدم إنساناً كاملاً معافى من تلك اللوثة، ومتميزاً بما صيَّره ذا عقلٍ لم يكن ليحظى به لولا هذا التدخل الإلهي المباشر، والذي أشارت إليه الآية الكريمة بـ “كن فيكون”.

أضف تعليق