بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قد يظن البعض من متابعي مدونتي هذه أنني قد فقدت الأمل في الإنسان، فلا يُرتجى له عندي من مصيرٍ غير ذاك الذي نسجته يداه بقعوده وتقاعسه واستسلامه لما توهم أنه “القدَر” الذي حتَّم عليه أن يرزح أبد الدهر تحت نير البخت والحظ! وهذا ما لم يكن ليخطر لي على بال مادمتُ موقناً بأن الله تعالى قد خلق الإنسان وهيَّأ له كل ما هو كفيلٌ بجعله يصبح “إنساناً كاملاً” لو أنه عقد العزم وشحذ الهمة وشرع بالسير على طريق الله تعالى عابداً متعبداً محقِّقاً لما خُلق لأجله. وما خُلق لأجله الإنسان قد بيَّنته الآية الكريمة 56 من سورة الذاريات (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). فالإنسان لم يُخلَق ليكون مجالاً ومسرحاً لنقمة “الأقدار” كما يتوهم كثيرٌ من البشر! فالله خلق الأقدار وسلَّطها على الإنسان ابتلاء له حتى يكون بمقدوره أن ينتفع بها في رحلته إليه تعالى. والإنسانية قد برهنت على أن قلة من أفرادها قد استطاعت أن تتبيَّن الحكمة من وراء الابتلاء الإلهي هذا فشرعت في السير على طريق الله تعالى مستضيئةً بنور حكمة هذا الابتلاء، فكان لها أن ترقَّت حتى بلغ أفرادٌ قلائل منها مصاف أولياء الله الصالحين. وهذا لم يتأتَ لهم بسببٍ من موافقة “الظروف” ومؤاتاة “الحظ”، ولكنه جاء ثمرةَ مجاهداتٍ ومكابدات كانت لتثني كثيرين غيرهم عن مواصلة الطريق، ولكنهم أبوا إلا أن يغذوا السير غير عابئين ولا آبهين بما يعترضهم من عقبات وعوائق حتى تسنى لهم أن يصبح الواحد منهم إنساناً كاملاً محققاً بذلك ما خُلقت الإنسانية لتكونه.
وأنت إلى متى ستبقى أسير رثائك لنفسك وإشفاقك عليها حزناً على ما أنت عليه من بؤس حال وفقر؟! إن ما ينبغي عليك أن تحزن له هو حالك مع الله تعالى. فحالك هذا هو الذي صيَّرك ناقماً على كل ما حواليك متهماً كل من هب ودب أنه السبب وراء ما أنت عليه من بؤس وشقاء وعناء واكتئاب! لقد خلقك الله مزوَّداً بكل ما من شأنه أن تنتفع به في رحلتك إليه تعالى. فلماذا تصر على النأي بنفسك عن قدَرك الذي لا يحتاج منك إلا إلى إرادةٍ وهمة حتى يتجلى ماثلاً لناظريك متجسداً على صورة إنسان كامل هو أنت، إذا ما أنت أدركت وأيقنت أنك قد خُلقتَ لتصبحه، واجتهدت بكل ما أوتيت من قوة لتحقق قدرك هذا؟
