ترياق الحياة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يا حي

يعلِّمنا التصوف أن الإنسان هو غير ما نتصور ونظن. فتصوراتنا عن أنفسنا وظنوننا بها قد تعاضد على صياغتها العلم المعاصر والحس العام (Common Sense). وهذه التصورات والظنون جعلتنا نتوهم الإنسان على غير ما هو عليه حقاً وحقيقة. فالإنسان، الذي يريدنا التصوف أن ننظر إليه لنراه بعينه، هو كيان متداخل. فالبدن منه تُداخله نفسٌ ليس للعلم المعاصر أي دليل على تواجدها المُداخِل هذا، وذلك على الرغم من أن كثيراً مما يميِّز الإنسان عن سلفه الحيوان لا يمكن إطلاقاً أن يعلَّل له دون الرجوع إليها علة لهذا الذي تناشز به عنه. والإنسان ذو نفسٍ تلطَّفت حتى توارت من وراء حجابٍ من أسبابٍ توهَّمها العلمُ المعاصر العلةَ التي بمستطاعه أن يفقه استناداً إليها كل ما قُيِّض لهذا الإنسان أن يكون عليه في حلِّه وترحاله. وهذا الذي ظن العلم المعاصر أنه وقع عليه من حقيقة الإنسان، لا يُقرُّه عليه ما بإمكاننا أن نجيء به من أدلة وشواهد بمستطاعها أن تبرهن على أن نظرة التصوف إلى الإنسان هي الأصوب مادامت هذه النظرة تنطلق من الإقرار بأن الإنسانَ نفسٌ أكثر مما هو بدن. فالإنسان، من منظورٍ صوفي، لا يُعرَّف بدلالةٍ مما هو كافٍ لتعريف سلفه الحيوان الذي بالإمكان تعريفه بوساطةٍ من لاشيء أكثر مما هو عليه حقاً وحقيقةً من بدنٍ لا يُداخله أيُّ كيان آخر. إن بدن الإنسان غيرُ كافٍ على الإطلاق للتعليل لما هو عليه من تناشزٍ مع الطبيعة التي نشأ وترعرع وترقَّى ثم تردّى في ظلها الظليل. والإنسان”ميتٌ” بنفسه “الحية” هذه، والتي لابد من أخذها بنظر الاعتبار ليتسنى لنا أن نفقه ما هو عليه من تناشزٍ مع الطبيعة. والإنسانُ بنفسه “الحية” هذه “ميتٌ”، وذلك لأن ما يجعله حياً حقاً هو إرادتُه التي سلبتها منه نفسُه هذه. فلا يكفي الإنسان أن يكون ذا نفسٍ حيةٍ ليكون حياً، مادام هو مسلوب الإرادة معدومها. والإنسانُ ينظرُ إليه التصوف فيراه ميتاً بهذا الذي هو عليه من انعدام إرادة. فالحياة الحقة هي إرادةٌ قبل أن تكون أي شيء آخر. والإنسان بنفسه الحية هذه ميتٌ مادام هو قد سلَّم إرادته لنفسه لتحيا بها متسلطةً عليه آمرةً ناهية.

ولذلك كان الإنسان في نظر القرآن العظيم ميتاً ما تنازل عن إرادته فتسلَّمتها نفسه فتسلَّطت بها عليه. والإنسان الميت هذا لن يكون بمقدوره أن يُحيي نفسه بداهةً. وبذلك فإن مَن بوسعه أن يُحييه هو ذاك الذي بمقدوره أن يُمكِّنه من استرداد إرادته من نفسه لتكون سلاحه الذي يحاربها به فيُقسرها على الرضوخ له والإذعان، فيصبح بذلك حياً. وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة 122 من سورة الأنعام (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

فهذا الذي بمقدوره أن يحييك من بعد موت هو إسلامك الذي شرعتَ بممارسته بإتقان يوم سرتَ على طريق الله تعالى منضبطاً بمحدداته الإلهية، مطيعاً لله ولحضرة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم. والإسلام، إذ هو حيٌّ بقرآنه الحي، قادرٌ على أن يُحييك مادام من كان حياً حقاً هو وحده مَن بوسعه أن يبث الحياة في قلبك الميت فيحييه ويصيِّره سراجاً يشع نوراً. وبذلك يصحُّ أن نعرِّف قرآن الله العظيم تعريفاً يوجز ما هو قادرٌ عليه من إحياءٍ لميت القلوب، فنقول إنه بحق “ترياق الحياة”. وهذا الذي هو عليه هذا القرآن بوسعه أن يجعلك تتبيَّن ما أنت عليه من حال مع الله تعالى. فالقرآن العظيم كيانٌ حي قادرٌ على أن يحييك إذا ما استسلمتَ له عوض أن تُسلم إرادتك لنفسك. وهذا لن يكون بمجرد أن تواظب على تلاوة آياته الكريمة أو سماعها. فالقرآن الحي لن يُحيي قلبَك الميت إلا بتدبُّره تدبراً يُصيِّرُك إنساناً جديداً مجاهداً نفسه وبما يجعل منها تشرع بالإنزواء والانكفاء كلما جدَّ منك السعي سيراً على طريق الله تعالى بالطاعةِ المُثلى لله ولحضرة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم.

أضف تعليق