بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً 
تحدثت في منشور سابق عن هذا العالَم الميتافيزيقي المحيط بنا، وذكرت أن من بين “الكائنات الميتافيزيقية” المتواجدة معنا مخلوقات عاقلة ذات إرادة هي الملائكة عليهم السلام والجن والشياطين. وهذه الكائنات مسؤولة عن كثير من الظواهر الخارقة للعادة التي يعجز العلم المعاصر عن التعليل لها مادامت نظرياته عاجزةً عن أن تتعامل مع هذه الكائنات فيتسنى لها بذلك أن تعلل لهذه الظواهر بالرجوع إليها قوةً وطاقةً يتعذر عليه الإقرار بوجودهما وذلك لإصراره على النظر إلى الوجود بعينٍ تأبى أن ترى فيه غير قوى فيزيائية أربع هي كل ما تسنى له أن يحيط به من قوى هذا الوجود المترامي الأطراف، والذي أظهرت لنا الوقائع أنه يُبطن من الأسرار أكثر مما يُظهر. فهذا الوجود يحفل بكم كبير من الظواهر المستعصية على التفسير، والتي لا سبيل أمام العلم المعاصر ليتسنى له أن يعلل لها إلا بإقراره أن هناك “كياناتٍ ميتافيزيقية” هي المسؤولة قوةً وطاقةً عن حدوثها. وهذه “الكيانات الميتافيزيقية” هي قوى فيزيائية تلطَّفت حتى ما عادَ بوسعنا أن نكتشفها لفرط ما تميزت به من قدرةٍ على التواري عن مجسات أجهزتنا، ناهيك عن أعيننا.
ومن هذه الظواهر، التي يأبى العلم المعاصر أن يقر بوجودها، ما له مسيس صلة بما انطوى عليه الإنسان من خبايا وخفايا، وهو الذي تناشز وتمايز عن سلفه الحيوان بهذه النفس التي ابتلاه الله تعالى بها، والتي نالت هي الأخرى من هذا العلم نصيباً من إعراضه عنها وتجاهله لها مادامت هي الأخرى كياناً ميتافيزيقياً لا قدرةَ لأجهزته على التعامل المعرفي معها. والحسد هو واحدٌ من هذه الظواهر التي، وإن كانت متأصلةً في واقعنا البشري، فإنها، وبسبب من مجافاتها لـ “روح العلم”، حظت منه بالإعراض عنها إقصاءً واستبعاداً فلم تنل ما نالته غيرها من الظواهر “الواقعية” من اهتمام علمي.
بدايةً يتوجب علينا أن نعرِّف ظاهرة الحسد بعبارة وجيزة، وذلك بأن نشخِّص فيها ما يميزها عن غيرها من الظواهر التي بوسع هذا الإنسان أن يتسبب بها. فالحسد هو ما يعتمل داخلاً منك من مشاعر وأحاسيس قاسمها المشترك هو رد فعلك على ما تسنى لك أن تشخِّصه فيما يعرض لك من تميُّزٍ لأحدهم عليك بما تفتقده وتفتقر إليه. وهذه الأحاسيس بوسعها أن تتطور داخلك فتصل إلى حد جعلك ترى فيها تهديداً وجودياً لك. ومعظم البشر لا قدرةَ لهم على تحويل هذه الأحاسيس إلى ما بوسعه أن يتهدد الشخص الذي كان السبب في ظهور مشاعر الحسد هذه عندهم. غير أن هناك قلة قليلة من بني جلدتنا البشر ممن تميَّزوا عن باقي أفراد الجماعة الإنسانية بمقدرةٍ، هم في الغالب الأعم غير واعين بها، على التسبب في إلحاق الضرر والأذى بمن جعل مشاعر الحسد هذه تظهر عندهم. وهذه المقدرة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بِطاقة يتميزون بحيازتهم لها. فالإنسان لم يُخلق بهكذا طاقات. ولكن هذا النفر القليل من بني آدم بوسعه، وبصورة غير واعية، أن يجعل من بعض “الكيانات الميتافيزيقية” المتواجدة معنا تلحق الأذى والضرر بمن تسبب في جعل مشاعر الحسد تظهر عندهم.
إذاً فالحسد، إذ يضر بالمحسود، فإنه ما كان له أن يلحق به هذا الأذى لولا تفاعل مشاعر الحاسد مع هذه “الكيانات الميتافيزيقية” المبثوثة من حولنا.
