هل أنت من الفارين إلى الله؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

 مازلتُ أذكر أنني كنت قد قرأت قبل نيِّف وثلاثين عاماً حديثاً لحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم علقت كلماته الشريفة في ذاكرتي منذ حينها. وما أذكره من هذا الحديث الشريف هو: “إن الرائد لا يكذب أهله، فوالله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولفررتم إلى البراري تريدون وجه الله”.

ففروا الى اللهوهذا الحديث الشريف يدور في فلك التذكير بالحقيقة التي يصر الإنسان على الفرار منها. وهذه الحقيقة هي حقيقة هذه الحياة الدنيا التي لا يريد هذا الإنسان أن يصدق أنها ليست كل ما هنالك وأنها لن تتلاشى حتماً وتزول يوماً ما ليحل عليه يومٌ لا يوم آخر بعده. فالإنسان كائنٌ “واقعي”، نبت من أرض هذا الواقع، وهو بذلك عاجزٌ عن أن يكون بمقدوره أن يتصور أن هناك واقعاً آخر غير واقعه هذا. وكل ما تراه حولك يبرهن على أن الإنسان لا شغل له بغير واقعه هذا، حتى ولو كان يحلق في فضاءات الخيال! فخياله واقعي على الرغم من لاواقعيته! وهذا ليس من متناقض القول إذا ما نحن تبينَّا ما هو عليه حقيقةً خيالُه هذا. فخيال الإنسان يسرح ويمرح ويروح ويغدو جيئةً وذهاباً بين واقعه الذي يعيش وآخر يتمناه ويتخيَّله. وما يتخيَّله الإنسان لا يمكن على الإطلاق أن يكون واقع عالم الحقيقة التي لو صحَّ ما يزعمه رجال الدين التقليديون لكان هذا الإنسان مشغولاً بها، وهذا ما لسنا لنجد عليه من واقع ما هو عليه برهاناً ولا دليلاً. فلو كان الإنسان مخلوقاً “غير واقعي”، أما كانت الآخرة لتجعل من حياته الواقعية ما وصفها حديث حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أعلاه؟! ولو كان الإنسان حقاً كما يتوهمه مُمجِّدوه ومُعظِّموه، لكانت الآخرة لا تفارق تفكيره مادام هو ليس “واقعياً”، وذلك على خلاف ما يزعم القائلون بنشوئه وتطوره من هذا الواقع! ولكن هذا الإنسان لا يمقتُ شيئاً قدر مقته للآخرة، مادامت الآخرة تطالبه بأن يستعد لها فينشغل بها عوض انشغاله بهذه الحياة الدنيا التي لا يريد قلبه أن يصدِّق أنه خُلق لغيرها!

وهكذا يبرهن الإنسان على أنه نتاج واقعه الترابي هذا بهذا الذي هو عليه من انشغال بهذا الواقع حتى النخاع! ولهذا جاء الدين من عند الله تعالى ليعرِّف الإنسان بأن هذا الواقع هو ليس كما يتوهم ويظن، وأن هناك واقعاً آخر قادماً لا محالة، وأنه يجدر به أن يتأهل لينجو من ناره وليُدخَل جنته. وبذلك يكون الإنسان العاقل هو مَن يصدِّق ما جاء به الدين، وذلك لأنه إذا لم يكن هناك من دليل على أن الآخرة حق، فإن لا دليل هناك أيضاً على أنها ليست كذلك، ومادامت النتيجة ليست واحدةً في كلتا الحالتين. فإذا ما صحَّ ما يزعم به الدين من أن الآخرة لا ريب فيها، فإن عدم تصديقك إياه جاعلك لا محالة تُخلَّد في نارها. ولذلك فخَيار الأذكياء هو ما اختاره من قبلُ أبو العلاء المعرِّي رحمه الله تعالى، والذي صحَّ عنه أنه قال:

قالَ المُنَجِّمُ وَالطَبيبُ كِلاهُما         لا تُحشَرُ الأَجسادُ قُلتُ إِلَيكُما

إِن صَحَّ قَولُكُما فَلَستُ بِخاسِرٍ     أَو صَحَّ قَولي فَالخُسارُ عَلَيكُما

إن الاختيار الذكي هذا هو الذي يُحتِّم عليك أن تفر من فورك إلى الله فتكون بذلك من الفارين إليه تعالى فراراً من هذه الدنيا التي تريد نفسُك أن تنشغل بها عن الآخرة فلا تصدِّق أنها ليست كل ما هنالك، وأن مصيرها إلى الزوال، فتبقى مشغولاً بها حتى تجيئك الآخرة وأنت ما أعددت لها إلا أعمالك التي ستُلقي بك في نارها مُخلَّداً أبد الآبدين.

ولقد نصح القرآن العظيم الإنسان بأن يفر إلى الله تعالى منذراً ومحذِّراً من عاقبة إصراره على الانشغال بهذه الحياة الدنيا عن الآخرة. تدبّر الآية الكريمة 50 من سورة الذاريات (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِين)، ولا تنسى أن تجعلها شعارك في هذه الحياة الدنيا فتكون بذلك من الفارين إلى الله تعالى، وإلا فلا مفر لك من ناره يوم القيامة.

أضف تعليق