بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
نهجَ كثيرٌ من رجال الدين التقليديين منهج مَن سبقهم من رجال دين الأقدمين، فظنُّوا كما ظن أولئك أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته ونسوا ما جاء به القرآن العظيم من أنه تعالى “ليس كمثله شيء”! والعجيب أن رجال الدين، هؤلاء أو أولئك، قالوا ما قالوا وهم ينظرون إلى الإنسان فيرونه على ما هو عليه من خبال وسيء حال! وهذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على عجزهم عن أن ينظروا إلى الوقائع فيرونها على ما هي عليه حقاً وحقيقة. وإذا كان هذا هو حالهم مع الوقائع، فلك أن تحكم على ما هو عليه حالهم مع الحقائق! لقد حفل القرآن العظيم بالكثير من الآيات الكريمة التي استفاضت في تبيين ما هو عليه الإنسان من هذا الذي لا يمكن بحال أن يكون برهاناً على صدق مَن توهَّم من رجال الدين أن الإنسان قد خُلق على صورة الله تعالى. ولكن “مِلة الكُفر واحدة”!
لقد خلق الله هذا الوجود بكل ما فيه من موجودات خلقاً متمايزاً عنه تعالى، فلم يجعل هناك من شبيه له مِن خَلْقه كلهم جميعاً. ولكن مَن قال بخلاف ذلك من رجال الدين، ممَّن توهَّموا أن الإنسان مخلوق على صورة ربِّه عز وجل، قد أبانَ عن هذا الذي يعتمل داخلاً من صدورهم من تمجيد وتبجيل وتعظيم للنفس التي لا ترضى بغير هذا التوصيف الذي يجعلها شبيهةً بالإله، مادامت هذه هي حقيقة ظنِّها بنفسها!
غير أن الحقيقة هي خلاف ذلك بالتمام والكلية؛ فالإنسان هو مَن خلق “إلهه” وذلك بتصوُّره له وفق ما يتوهَّم ويظن! واللهُ تعالى قد علَّمنا في قرآنه العظيم أن نُسبِّحه ونقدِّس له. ومدار هذا الأمر الإلهي هو تنزيهٌ لله تعالى عن أن يكون مُتصوَّراً وفق هذا أو ذاك من أوهام وظنون الإنسان كائناً مَن كان. ولقد قال أحد فلاسفة الإغريق إن الثيران لو كان لها أن تتصوَّر ربَّها لتصوَّرته ذا قرنين! فالإنسان غير قادر على أن يُنزِّه نظرته إلى الأشياء من هذا الذي يصر عليه عقله من أن يجعلها تصطبغ بصبغته التي تحتِّم عليه أن يراها مصطبغةً بها فتفقد بذلك هذه الأشياء صبغتها التي كان مقدَّراً له أن يتبيَّنها لولا هذا التدخل من جانب عقله. ولذلك جاء دين الله تعالى بتقنيات تعبَّدية كفلت للإنسان أن يعبد الله فيُخرس عقلَه بها فلا يعود بمقدوره أن تخالط تعبُّده هذا “تصوراتٌ” تجنح به عن التوحيد الخالص له تعالى. وهذه التقنيات التعبُّدية يتكفَّل بها تسبيح الله تعالى بالأذكار والأوراد التي ستكفل للإنسان أن ينزِّه تصوّره لله تعالى تنزيهاً يتناسب مع مبذول جهده فيها.
لقد خلق اللهُ تعالى الإنسان بماضٍ حيواني جعله قريب الشبه بكثيرٍ من أسلافه الأوائل. ولعل في هذه الخِلقة ما يجعل من هذا الإنسان يتواضع فلا يبلغ به غروره مبلغ مَن شطح فقال بأن الله تعالى خلقه على صورته. وإذا كان الإنسان عاجزاً عن أن لا يتصور ربَّه عز وجل فلا يتخيَّله على هذه الصورة أو تلك، فلقد جاء الدين الحق بما هو كفيلٌ بجعله قادراً على أن يرقى بتعبُّده ربَّه عز وجل تنزيهاً له عن كل تصوُّرٍ يدفع به عقلُه.
