بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
الإنسان أكبر من بدنه ومن نفسه التي تُداخله. هذا هو ما عليه الإنسان تصميمَ خِلقةٍ ومخططَ جِبلة. ولكن الإنسان عادةً ما ينزاح إلى بدنه، أو إلى نفسه، فيصبح لا أكثر من هذا أو هذه! والإنسان تعذِّبه نفسه بانزياحه إليها بتسلُّطها وتسيُّدها عليه؛ فهي مهووسة به تسومه سوء العذاب ليل نهار مادام واعياً. ونحن، وبسببٍ من تسلُّط هذه النفس علينا، مهووسون ببعضنا، يسوم واحدنا الآخر صنوف العذاب بهذا الذي تواضعنا عليه ميثاقَ تعايشٍ مشترك جمع بيننا. فواحدنا مشغول بالآخر يراقبه ويحسب عليه أنفاسه وخطواته! والآخر متواجدٌ داخلنا شئنا أم أبينا، يراقبنا مادمنا قد أسلمنا له قيادَنا فكان هو الذي نخاف ونرجو ونحسب له ألف ألف حساب! ونحن بهذا الذي درجنا على الأخذ به منهاجاً لتعايشنا المشترك، نعذِّب ونتعذَّب في ملحمةٍ لا تنتهي إلا بهلاكنا. وعلة هذا العذاب، الذي هو قدَر الإنسان ما ابتعد عن إدراك ما خُلق لأجله، بوسعنا أن نتبيَّنها إذا ما نحن تتبعنا نشوء وارتقاء وانحدار هذا الإنسان. فالإنسان قد خُلق ليعبد الله تعالى. وهذه العبادة كانت لتجعل منه منشغلاً بالله مشغولاً به تعالى عن باقي البشر إلا بما لابد له منه من تفاعلٍ معهم بالحسنى وفق مقتضيات هذه العبادة. إلا أن إعراض الإنسان عن عبادة الله تعالى عادَ عليه بالوبال، وذلك لأنه جعل الآخرين من بني جلدته مناطَ اهتمامه ومجال انشغاله فكان أن عادَ ذلك عليه وعليهم بالشقاء والعناء، مادام هذا الانشغال بغير الله تعالى ليس له أن يجعله قادراً على تحقيق ما خُلق لأجله وذلك لما سبق وأن تضمَّنه برنامج خلْقه التصميمي من “مُعقِّبات” توجَّب أن تلاحقه ما عجز عن أن يحيا وفق ما يقضي به هذا البرنامج.
ولذلك جاء الدين الإلهي من عند الله تعالى رحمةً بنا منا، إذ كفلَ لنا أن نستدرك خطأنا فنصحِّح وجهتنا فنعود إلى الله تعالى ننشغل به عن أنفسنا وعن بعضنا البعض، فلا يعود بمقدورنا أن نتعذَّب بنفوسنا أو ببعضنا. لقد رحمنا اللهُ تعالى بدينه الإلهي الذي إن سرنا على الطريق الذي شرعه لنا منضبطين بمُحدِّداته وضوابطه فإن لنا بذلك أن ننجو من ما عادَ به علينا ابتعادُنا عما خُلقنا لنكون مشغولين به عوض هذا الانشغال منا بأنفسنا وببعضنا البعض يُسام واحدنا، ويسوم، سوء العذاب.
