بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تحدثت بالتفصيل في كتابي “نشوء وارتقاء آدم وحواء” عن تصوري لما حدث في الماضي السحيق من أحداثٍ أدَّت إلى ظهور الإنسان كما نعرفه. ومن هذه الأحداث المفصلية استخلاف سيدنا آدم عليه السلام في الأرض من بعد إهلاك الله تعالى قومه الذين أفسدوا فيها وسفكوا الدماء. كما وذكرت أيضاً ما كان من أمر سيدنا آدم عليه السلام والأرض الأخرى التي عرجت به الملائكة إليها في سماء الله السابعة. ولقد استفضتُ في الحديث عما جرى في تلك الجنة السماوية لآدم وحواء اللذين عصيا ربَّهما عز وجل فأكلا من الشجرة التي نُهيا عن الاقتراب منها. وذكرتُ ما عادَ به عليهما وعلى ذريتهما أكلهما هذا من ويلات ومصائب.
وتصوُّري هذا لا يتفق معه علماء البايولوجيا التطورية الذين لا يريدون أن ينظروا إلى الإنسان بعين العلم الحق فيرونه على ما هو عليه حقاً وحقيقة في تناشزه البيِّن الجلي مع الطبيعة، التي وإن كان قد نشأ وتطور وترقى في ظلِّها فإنه قد أضحى بتناشزه هذا كما لو أنه لم يكن يوماً مفردةً من مفرداتها. إن إصرار هؤلاء “العلماء” على غض البصر عن هذا التناشز قد جعلهم لا يجدون غضاضةً في الزعم بأن ليس هناك ما يستدعي افتراض ماضٍ رديف للتعليل لهذا الإنسان يضاف إلى ماضيه الحيواني الذي اكتملت حلقاتُه عندهم خلا حلقةٍ واحدة أطلقوا عليها مصطلح “الحلقة المفقودة”؛ هذه الحلقة التي أبداً لن يكون بمقدورهم أن يعثروا عليها مادام منهجهم “العلمي” يحتِّم عليهم ألا يتبيَّنوا ما يتناشز به الإنسان عن سلفه الحيوان. فلو أنهم أقروا بهذه الفروقات التي يتمايز بها الإنسان عن ماضيه الحيواني، لكان بمقدورهم أن يدركوا عجز هذا الماضي عن التعليل لهذا الذي ميَّز الإنسان عن الحيوان تمييزاً جعله يمثِّل واحداً من أعظم التناقضات (paradoxes) في التاريخ؛ إذ كيف يكون الإنسان شبيهاً بالحيوان إلى هذه الدرجة وهو في ذات الوقت يختلف عنه كل هذا الاختلاف؟! إن هذا الإقرار بما يُمثِّله الإنسان من تناقض كفيلٌ بجعل هؤلاء “العلماء” يلجأون إلى القرآن العظيم، وذلك لأنه مصدر المعلومات الوحيد الذي بمستطاعهم أن يقعوا فيه على ما يمكِّنهم من معرفة ما حدث فسبَّب لهذا التناشز الذي تمايز به الإنسان عن الحيوان.
كما وأن تصوُّري عما حدث فجعل الحيوان إنساناً، لا يمكن أن يوافقني عليه أولئك الذين نصَّبوا أنفسهم أوصياء على دين الله تعالى محرِّمين ومحلِّلين وفقما تقضي به أهواؤهم وتأمر أنفسهم! فالإنسان عندهم قد خُلق خلقاً لحظياً من التراب. وهو بذلك لا صلةَ تربطه بماضيه الحيواني الذي أزعم. ورجال الدين المتزمِّتون هؤلاء يعجزون عن أن يعلِّلوا بهذا الخَلق اللحظي المزعوم لما يتشابه به الإنسان مع الحيوان. وهُم إذا ما أرادوا أن يفقهوا هذا الإنسان فقهاً يمكِّنهم من معرفته على ما هو عليه، فليس هناك أمامهم من سبيل غير أن يُقرُّوا بأنه قد خُلق خلقاً تطورياً لهم أن يفيدوا مما بحوزة علماء البايولوجيا التطورية من “علم” بعد أن يُصار إلى تنقيته من هذا الذي يصر هؤلاء على أن يخالطه من آيديولوجيتهم التي افترضوا بموجبها أن ماضيه الحيواني، كما وقعوا عليه، كافٍ للتعليل له دون أن تكون هناك من حاجة إلى الالتجاء إلى الدين فتكتمل بذلك الصورة ويصبح الإنسان مُعلَّلاً له بهذا التضافر بين العلم والدين.
ولرجال الدين الذين يصرون على أن الإنسان قد خُلق خلقاً لحظياً دون الحاجة إلى ماضٍ حيواني، أتوجَّه بطلبي منهم أن يتدبَّروا الآية الكريمة 2 من سورة الأنعام (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)، فإن لم يكن بمقدورهم إلا أن يفسِّروا هذه الآية الكريمة دون تدبُّرٍ، وذلك لإصرارهم على الغي، فإن لي أن أعينهم بما تسنى لي معرفته بتدبرها. فهذه الآية الكريمة تقطع بأن الإنسان قد خُلق من طين ثم مضى عليه أجل من الزمان استوجب أن يُصار إلى أن يمضي عليه أجل آخر عند الله تعالى. والأجل الأول هو ما كان من ماضٍ حيواني للإنسان، كما استفاض في التدليل عليه العلم المعاصر، والأجل الآخر هو ما استوجبه استخلاف سيدنا آدم عليه السلام وما تبعه من مكثٍ في جنة الله تعالى التي يُطل عليها عرشه. فالإنسان بماضيه الحيواني، الذي برهن العلم على أنه حقيقةٌ لا مراء فيها، لا يمكن أن يُعلَّل لتناشزه مع ماضيه هذا إلا بالرجوع إلى هذه المدة من الزمان التي قضاها آدم عند الله تعالى في جنته.
