“هذه الحياة الدنيا”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

علي-ابن-أبي-طالب_2175يريدنا مُقدِّسو العلم ومؤلِّهوه أن ننظر إلى هذه الحياة الدنيا فنراها كل ما هنالك، مادام هذا العلم عاجزاً عن أن يحيط بما يتجاوز هذا الواقع الذي نشأ وترعرع في ظله! فالعلم لا قدرة له على أن يسمو متعالياً على “واقعه” إلا بجناحَي خياله اللذين لا قدرةَ لهما على التحليق بعيداً عن هذا الواقع واللذين يعجزان عن أن يجيئاه بنبأ يقين مما هو ذو صلةٍ بالحقيقة التي توارت من وراء حجاب حواس الإنسان وما بوسع أجهزته أن تسبر من أغوار هذا الواقع عمقاً وبُعداً. وهذا “العجز المعرفي” لا قدرةَ للعلم على تخطِّيه وتجاوزه مادام هو غير قادر على أن يتعامل مع ما يتجاوز المحسوس إلا بهذا الخيال الذي “شيَّأ” له من الكينونات ما توهَّم أنها موجودة في واقع آخر تعجز حواسنا عن إدراكه. والعلم، إذ يطالبنا بأن لا نصدِّق بواقعٍ آخر غير هذا الواقع الذي كان السبب في نشوئه، يطلب منا في الوقت ذاته أن نتوهم معه فنصدِّق ما يقول به من وجودٍ لواقع آخر تسنَّى له أن يقع عليه بخياله هذا! فإذا كان العلم يأخذ على الدين أنه لا قيام له إلا على أساس مما هو غيبي، فإنه قد فاته أن “بُنيانه العلمي” لا قيام له دون افتراض ما ليس له وجود محسوس من كيانات اضطر إلى افتراض وجودها ليتسنى له أن يقيم هذا البنيان فيعلِّل بوساطةٍ منه لما يحدث في هذا الواقع من أحداث وظواهر! فالعلم لا يحق له أن يهاجم الدين بحجة أنه يطالب المتديِّن به بضرورة أن يؤمن بأن هناك ما تعجز حواسه عن إدراكه، وهو في ذات الوقت لا قيام له إلا على أساسٍ من كينونات يضطر إلى افتراض وجودها كيما يكون له وجود! لقد كان بمقدور العلم أن يقيم حجته هذه على الدين لو أنه كان قد اكتفى بوصف ما يحدث في هذا الواقع دون أن يعلل لوقائعه وأحداثه فيضطره ذلك إلى استقدام هذه “الكينونات الخيالية” التي يريدنا أن نتوهَّم أن لها وجوداً حقاً وحقيقة! فالعلم لا قيام له دون هذه الكينونات التي لابد له من أن يُقر بأنها أقرب إلى الميتافيزيقا منها إلى ما هو فيزيقي. يكفينا أن نتذكر ما جاءنا به العلم من “قوى” و”طاقات” و”مجالات”، وغيرها من الكينونات التي لا قيام لنظرياته بدونها، حتى ندرك مدى ما للميتافيزيقا من تأثير عليه صيَّره أقرب إلى “دين” منه إلى “علم”!

فإذا كان الدين لا قيام له إلا بميتافيزيقا تستوجب منك أن تؤمن بما يتجاوز هذا الواقع فتصدِّق أن هناك إلهاً وملائكة وجناً، وأن زماناً قادماً سيجيء بآخرةٍ فيها نارٌ وجنة وما حوَتا، فإن العلم لن تقوم له قائمة إذا ما جرَّدته من ميتافيزيقاه التي افترضت وجوداً لكينوناته التي لا وجود واقعياً لها!

غير أن الدين قادرٌ على أن يُلزمك بأن تؤمن بـ “غيبه” في الوقت الذي يعجز فيه العلم عن أن يقيم عليك الحجة فيجعلك مُلزماً بتصديق “غيبه”. فإذا كان الدين والعلم لا قيام لأيهما بدون “غيبٍ” انطوى عليه كلٌّ منهما، فإن “الغيب الديني” بوسعك أن تتبيَّن أنه حقيقي وذلك بهذا الذي هو بمستطاع الدين أن يجيء به من ظواهر خارقة للعادة هي متجاوزة لهذا الواقع مادامت تنتمي إلى واقع آخر مغيَّب عن حواسنا. وهذه الظواهر هي المعجزات والكرامات التي بمقدورها أن تبرهن على أن هذا الغيب الديني حقيقي، وإن كان غير واقعي. فإذا كان بمقدور الدين أن يبرهن على أن غيبه حقيقي بهذه المعجزات والكرامات، فإن العلم عاجز عن أن يبرهن على غيبه مادام ليس بمقدوره أن يجترح هكذا معجزات وكرامات! ومع هذا العجز، فإن العلم يتجرأ على أن يطالبنا بأن نُعرض عن الدين، وذلك لما انطوى عليه من ميتافيزيقا، لنؤمن بما جاء هو به ديناً بديلاً بلا معجزات ولا كرامات.

فالعلم يريدنا أن نتوهم معه أن هذه الحياة الدنيا هي كل ما هنالك وأن لا آخرة هنالك، كما يزعم الدين، مادامت هذه الآخرة غيباً وميتافيزيقا، وفاته أن يتذكر أنه لا يحق له أن يعترض على غيبية الدين مادام هو نفسه كياناً قائماً على غيبٍ يعجز عن البرهان عليه. فهذه الحياة الدنيا هي ليست كل ما هنالك، مادام الدين يقول بذلك، ومادام هذا الدين بمقدوره أن يبرهن على كثير من “غيبياته” في الوقت الذي يعجز فيه العلم عن أن يبرهن على أي من غيبياته.

والأمر متروك لك، فإن شئت صدَّقت ما يقول به العلم من أن هذه الحياة الدنيا هي كل ما هنالك، وهو العاجز عن أن يبرهن على ما انطوى عليه من “غيبٍ ضرار”، وإن شئت آمنتَ بما يقول به الدين فتستعد لآخرتك مادام هذا الدين بوسعه أن يجيئك بما شئت من البراهين على أن الغيب الذي يدعوك لتصدِّق بوجوده حقيقي.

أختم مستذكراً ما قاله مؤمن غافر رضي الله تعالى عنه: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).

أضف تعليق