بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
الإنسان كائن غير طبيعي. وهذه حقيقة لا يماري فيها إلا جاهل غير راغب في أن يصحح نظرته إلى الإنسان فيراه على ما هو عليه دون أن تخالط نظرته الظنون، أو ملاجج يعرف الحق ويصر على الباطل مناكفةً وغروراً. فإذا كان الإنسان قد نشأ من الطبيعة، كما نشأت منها باقي كائناتها من نبات وحيوان، فإنه سرعان ما تناشز معها وشذَّ عنها وأصبح بهذا التناشز والشذوذ كائناً مسخاً لا وشائج تصل بينه وبين ما كان يوماً رحمه. وهذا الذي جعل الإنسان يخرج على الطبيعة هو ما سبق وأن أخرجه من الجنة التي توجَّب عليه أن يفارقها بخروجه على الله تعالى، الذي أسكنه هذه الجنة يأكل منها رغداً حيث يشاء، وذلك بأكله من الشجرة التي نُهي عنها. لقد توجَّب على الإنسان، الخارج من الجنة، أن يعيش على هذه الأرض خارجاً على طبيعتها، فكان لزاماً عليه أن يشقى ببُعده عن ربِّه عز وجل، وبانقطاع ما كان يوماً موصولاً بينه وبينها. وبذلك أصبح الإنسان شقياً يعاني جراء هذا الخروج وهذا البُعد. فالطبيعة أنى تدبَّرتَ في أرجائها فلن يكون بمقدورك أن تتبيَّن غير ما هي عليه من تناغم وانسجام بين كائناتها، وهذا ما تأتى لها أن تتميز به لولا أنها قد أسلمت قيادها لربِّها عز وجل طائعةً مطيعةً له. والإنسان، إذا ما أنت تدبَّرتَ في أحواله فلن يكون عسيراً عليك أن تتبيَّن ما هو عليه من شقاء لا تجد له نظيراً في الطبيعة التي لها أن تعجب من هذا الذي كان يوماً متناسقاً معها فأضحى خارجاً عليها بشقائه هذا الذي جرَّه عليه عصيانه ربَّه عز وجل. فالطبيعة ما تنعَّمت بهذه السكينة لولا أنها قد أطاعت ربَّها الذي ما عادَ على الإنسان عصيانُه له عز وجل إلا بالشقاء والعناء.
ولقد جعل الله تعالى آيةً أن يكون بمقدور الإنسان أن يتبيَّن ما هو ليس عليه، وذلك كلما قُيِّض له أن يحظى بإطلالة على الطبيعة ولو بنزرٍ يسير. فالإنسان ما أن يختلي بنفسه في الطبيعة حتى تشرع باجتياحه مشاعر تذكِّره بهذا الذي كان يوماً يصل بينه وبينها فانقطع، ولذلك تراه يسكن ويرتاح إذ يتواجد بين أحضانها. فالإنسان، شاء أم أبى، لا قدرةَ له على أن لا يتأثر بالطبيعة التي تذكِّره بما بوسعه أن يصبح عليه إذا ما هو حذا حذوها فأطاع ربَّه وربها. وهذه السكينة التي تتنزَّل على الإنسان وهو في كنف الطبيعة، برهان على أن الطبيعة عالم الله الذي خرج منه الإنسان بخروجه عليه تعالى. فعالم الإنسان قد أُسِّس بنيانه على غير تقوى من الله ورضوان، فكان أن أصبح لا قدرةَ له على جعل هذا الإنسان بمأمن من أن تجتاحه مشاعر الخوف من كل شيء والقلق على كل شيء، مادام هو قد ارتضى أن يكون هذا العالَم ملاذه! لقد كان بوسع الإنسان أن يكون عالمه ملاذاً آمناً له لو أنه اتقى الله تعالى حق تقاته فيخافه حينها كل شيء عوض أن يخاف هو من كل شيء.
