بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لا تجد قوماً يناقضون أنفسهم قدر ما يفعل رجال الدين التقليديون! ومن ذلك ما تراهم يذهبون إليه في تفسيرهم وتعليلهم للسبب من وراء كون “الدنيا” قد أُطلق عليها هذا الإسم. فواحد هؤلاء يصر على أن “الدنيا” قد اشتُق اسمها من كل ما هو “دنيء”! وبذلك يتوجب عليك أن تُعرض عن الدنيا مادامت هي ما اجتمع كل ما هو دنيء على جعلها تتصف بالدناءة والسفالة! والغريب أن هؤلاء الذين يطالبونك بهجر الدنيا ومقتها، لأنها انطوت على كل ما هو دنيء، لا يجدون غضاضة في أن ينشغلوا بها بكل جوارحهم وقلوبهم! وهؤلاء هم الذين ذكر القرآن العظيم أنهم الذين يمقتهم الله أكبر المقت وأشده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون) (2-3 الصف). ولقد فات هؤلاء المتزمتون المنافقون أن هذه الدنيا، التي انشغلوا بها عن الآخرة بخوضهم حتى النخاع في ترهاتها وتفاهاتها وسفاسفها، كان بالإمكان أن يحيوها وهم ينظرون إلى ما حباها اللهُ به من جمال يذكِّر به تعالى، وهو الجميل الذي خلقها جميلةً لأنه يحب الجمال. لقد كان بإمكان هؤلاء المغالين المتزمتين أن ينظروا إلى الدنيا فيروا ما احتوت عليه من مخلوقاتٍ تسبِّح لله تعالى وتسجد له، فيكون في هذا ما يحثُّهم على أن يكونوا هم أيضاً من الذاكرين المسبِّحين الساجدين! إن هذه الدنيا لم يخلقها الله تعالى لتكون “مزبلة” لا تحوي إلا كل ما هو دنيء، كما يريدنا أن نتوهم هؤلاء الذين لا قدرةَ لهم على أن ينظروا إليها إلا بهذه العين التي لا تبصر فيها إلا ما تحب أن ترى من دناءة وإسفاف، طالما كان هذا الذي هم عاجزون عن إبصار غيره هو ما صنعته أيديهم فيها مصداق ما انطوت عليه قلوبهم من خسة ودنيء شيم وخصال!
وإذا كانت الدنيا لم يُشتق إسمها من كل ما هو دنيء متصف بالدناءة والوضاعة والسفالة، فمم اشتُق إسمها إذاً؟ إن بالإمكان الإجابة على هذا السؤال بالرجوع إلى القرآن العظيم لتدبُّر الآية الكريمة التالية: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (42 الأنفال). يتبيَن لنا بتدبُّر هذه الآية الكريمة أن الدنيا قد اشتُقت من الدنو الذي هو ضديد البُعد. فالداني هو ضديد القاصي النائي البعيد. وبذلك فإن “الدنيا” هي ضديد “الآخرة”، مادامت هي الحياة الأقرب إلينا وذلك بالمقارنة مع حياة الآخرة التي امتازت بكونها قصية بعيدة نائية عن واقعنا الذي نحيا ونعيش. فالأمر إذاً لا علاقة له بما هو دنيء، قدر ما هو ذو صلة بكل ما هو دانٍ، أي قريب في متناول اليد. فهذه الدنيا هي الحياة التي نعيشها ونحيا ونمسك بتلابيبها، مقارنة بحياة الآخرة، التي وإن كانت حقيقية إلا أنها ليست في متناول اليد ها هنا والآن.
وهكذا يتبين لنا أن مَن يريدنا أن نُعرض عن الدنيا لأنها دنيئة قد قارف من الآثام ما جعله ينظر إلى الدنيا فلا يرى فيها إلا ما توهَّم أنها قد انطوت عليه من دناءة! وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ما انطوى عليه قلبه هو من دناءة توهم الدنيا لا تحوي إلا ما هو صورة عنها! فلو أنه نظر إليها بقلبٍ ليس فيه من الدناءة شيء لما وجدها دنيئة كما يظن ويتوهم!
أنظر إلى الدنيا بقلبك الممتلئ بتمجيد الله تعالى لتراها لا تتصف إلا بكل ما هو قمين بك أن تنتفع به في سيرك على طريق الله تعالى مادام اللهُ تعالى قد خلق الدنيا في أحسن تقويم.
إن الدنيء والسافل هو هذا الإنسان وليست هذه الدنيا التي خلق اللهُ تعالى كل مفردةٍ من مفرداتها في أحسن تقويم، مادام هذا الإنسان هو وحده من رُد أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم.
لقد اشتُقَّت الدنيا من الدنو، وذلك حتى تكون مذكِّرة على الدوام بضديدها المشتَق مما هو ناء وقاصٍ وبعيد: الآخرة.

الدنيا ليست دنيئة في ذاتها، هي دنيئة بالنسبة للآخرة، فالدنيا محدودة والآخرة غير محدودة، ونسبة المحدود إلى غير المحدود صفر.
إعجابإعجاب
هل هذا ما خرجت به بعد ممارسة التصوف لعشرات السنين كما تقول، يبدو انك ما تعلمت شيء لا من التصوف ولا من القرآن او السنة ، طالب فى المرحلة الإبتدائية بالازهر يفهم اكثر منك عن تفسير الآيات التى ورد فيها لفظ الدنيا ، ناهيك عن سبك لكل علماء الازهر وغيرهم من الذين اشاروا الى ان الدنيا من الدنو ، وانهم يقولون مالا يفعلون ويتهافتون عليها، نسال الله الا يصل صوتك لاحد ونجدك بعد ذلك فى الفضائيات تارة تسب الشيوخ والعلماء وتارة اخري تفسر القرآن على هواك
إعجابإعجاب