بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لعل أكثر ما يُميِّز ما أنا منشغلٌ به هو هذا الذي لا أنفك أعود إليه بين الحين والآخر من استذكار لما حدث في ماضينا السحيق فجعل منا بشراً كادحين إلى الله تعالى كدحاً فمُلاقوه يوم القيامة لا ريب فيه. فالإنسان ليس بمقدورنا أن نقع على حقيقته كاملةً غير منقوصة إلا بأن نمسك بتلابيب ماضيه السحيق هذا ومستقبله القادم لا محالة. وكلُّ محاولةٍ لفقه هذا الإنسان دون التماس ما حدث له في ماضيه السحيق هذا، وما سيحدث في مستقبله المُغيَّب المأجول ذاك، لن تكون إلا خوضاً فيما لا يُرتجى أن يعود علينا بأثارةٍ من علمٍ تُمكِّننا من تشخيص علَّته على ما هي عليه وتوصيف العلاج الكفيل بشفائه منها.
وهذا هو السبب من وراء انشغالي بما جرَّه علينا أكل أبوينا من الشجرة التي نُهيا عنها، مادام هذا هو ما بإمكاننا أن نُرجِع إليه كل ما هو مبهم وغامض من أمورنا فيكون بالتالي بمقدورنا أن نفقه العلة التي جعلتنا على ما نحن عليه. إن معارف الإنسان وعلومه كلها جميعاً لن يُقيَّض لها أن تعلل لهذا الذي يشذ به الإنسان عن ماضيه الحيواني مادامت هذه المعارف والعلوم لا تُقر بما حدث للإنسان في واقعٍ آخر وأرضٍ أخرى غير واقعه هذا وأرضه هذه. ولأن الإنسان ما كان ليُترَك سدى فلا يتعهده ربُّه عز وجل بتبيان ما سيعود عليه قصوره عن العمل على علاج ما تضرر جراء الأكل من تلك الشجرة، فإن كل من يحاول أن يعلل لهذا الإنسان دون أن يلتمس الدين الذي أنزله الله تعالى رحمةً به، لن يُوفَّق في مسعاه مادام قد فاته أن ما غاب عنه إدراكه من غيب إلهي قد صاغ ماضيه من وراء حجابٍ خُيِّل له أن لا وجود لمن تلفَّع به متلطفاً.
وهكذا كان للشجرة التي أكل منها آدم وحواء، ولجهنم التي سيُخلَّد فيها كل إبنٍ لهما لم يعمل قصاراه على ألا يُزجَّ به فيها، أن تظهرا بهذا التواتر والتكرار في كتاباتي التي امتدت لعقود من الزمان ثلاثة، مادام في التذكير بهما ما بوسعه أن يجعل منا نغذ السير على طريق الله تعالى، هذا إن كان لواحدنا قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد!
