بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لا قدرةَ لإنسان على أن لا يُمايز بين عالم الطبيعة وعالم البشر. صحيحٌ أن الإنسان كان يوماً كائناً “طبيعياً” منتمياً إلى أمه الطبيعة انتماء باقي كائناتها إليها، غير أن واقع الحال يُنبئ بأن ما أضحى عليه الإنسان يقطع بأن شيئاً ما لابد وأن يكون قد حدث فقطع ما بين الإبن وأمه! ونحن إذا ما جُلنا متدبِّرين في أرجاء الطبيعة، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن ما هي عليه من تناغم وتناسق يُميزان ما هو سائدٌ من علاقةٍ بين كائناتها كلها جميعاً. وهذان ما كان للطبيعة أن تتميَّز بهما لولا ما هي عليه من أحسن حال مع ربها عز وجل إطاعةً له تجلَّت عليها وقاراً وسكينة. وما يستشعره بنو آدم وهم في كنفها من إحساس غامر بالاطمئنان والأمان والسكينة إلا دليل وبرهان على ما يفتقر إليه ويفتقده الإنسان جراء ما تميَّز به عنها من عصيان لربهما عز وجل. فإذا كان الإنسان أرقى مَن في الطبيعة عقلاً وذكاء، فإنه الأدنى إطاعةً لمن جاد عليه بهذا الذي يفاخر به من عقل وذكاء!
لقد شيَّدت الطبيعة عالمها دون حاجةٍ منها إلى ذكاء وعقل كهذين اللذين ما كان للإنسان أن يشيد عالمه بدونهما. فالطبيعة أسست بُنيانها على تقوى من الله ورضوان بإطاعةٍ لله تعالى تجلَّت بهذه السكينة التي أبداً لن يكون بمقدور الإنسان أن يحظى بها خارجها وهو في عالمه الذي يفاخر بأنه شيَّده بعقله وذكائه اللذين لو صحَّ ما يظنه بهما لكانا قد أرشداه إلى مَن بإطاعته كان له أن يحظى بما تنعم به الطبيعة من هذه السكينة. لقد أسس الإنسان عالمَه بهذا العقل المفاخر بذكائه ولم يدر بخلده أن هذا العالم مهما تسامق مدنيةً وحضارة، فإنه لن يكون بمقدوره أن ينعم فيه بالأمن والأمان والسكينة مادام عقله هذا لا قدرةَ له على أن يجعله يعي أن لا أمن ولا أمان ولا سكينة إلا بأن يحذو حذو الطبيعة فيصبح مثلها طائعاً لله مطيعاً. فعالم الإنسان، بهذا النأي والابتعاد عن الله تعالى، لن يجعل من الإنسان آمناً مطمئناً تغشاه السكينة.
إن هذا “العالم الإنساني” يتفجر ذكاءً وإبداعاً أنى تدبرت فيه، ولكن كل هذا ليس بكافٍ لأن يجعل من الإنسان لا تساكنه مشاعر اليأس والقنوط والإحباط! فالإنسان ما ازداد بحضارته هذه، التي يفاخر بها، إلا بؤساً وشقاء تحتَّم عليه أن يعاني من تداعياتهما مادام هو قد اختار أن يشيِّد حضارته هذه بهذا العقل الذي لو علم اللهُ فيه خيراً لهداه إليه ولكان قد جعل من عالمه لا يختلف في شيء عن عالم الطبيعة، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بما تتميَّز به الطبيعة من هذا الذي يفتقر إليه هذا الإنسان المفاخر بعقله. إن الإنسان قادرٌ على أن يحيا هذه الحياة الدنيا بعقلٍ مؤمن بالله تعالى فيكون بمقدوره بالتالي أن ينعم بما تنعم به الطبيعة من سكينة مادام هو يطيع الله تعالى كما تطيعه الطبيعة. فلا تناقض ولا تعارض ولا تضاد بين إطاعة الله تعالى والتنعُّم بحضارةٍ تؤسَّس على هذه الإطاعة.
لقد خلق الإنسانُ عالمَه قفراً موحشاً بهذا العقل المفاخر بذكائه. وإذا كان الإنسانُ محقاً بأنه ذو عقلٍ متمايزٍ عن غيره من كائنات الطبيعة، فالفرصة سانحة أمامه ليبرهن على تميُّزه هذا، وذلك بأن يسارع إلى السير على طريق الله تعالى طائعاً مطيعاً فيكون له أن يحظى بحياةٍ طيبة كلها أمنٌ وأمان وسكينة، ويزول بذلك ما يجعله يتناشز مع الطبيعة ويشذ عنها ويعود إلى أحضانها إبناً باراً بهذه الأم الرؤوم.
